مجموعة من المقالات التي أبدع فيها سعيد حمدان على صفحات جريدة البيان
أنقلها لكم من موقع جريدة البيان علها تجد عندكم القبول
صنع ما لا يفنى
حالة نادرة ان ينعي ديوان الرئاسة مواطناً عادياً, لم يتقلد منصباً سياسياً, فلم يكن العزاء لدوره ومساهمته الوظيفية الرسمية, ولم يكن عزاء بروتوكولياً.كان عزاء لشخصه, وكانت كلمات النعي مؤثرة, صادقة. حالة نادرة كان النعي, لشخصية نادرة في هذا الوطن الصغير, وفي الوطن العربي الكبير .
انه سلطان العويس الذي ملك ان يصنع في هذه الهاوية الفانية, ما لا يموت ولا يفنى.
زرع الخير في كل ارض, وحفر ذكرى جميل عمله في صدور الناس, وملك ان يسجل اسمه في صفحات التاريخ وأعمال البر. ان يكون رائداً, مختلفاً, ان يكون مدرسة قائمة بذاتها هو فيها الاستاذ والمنهج. مدرسة الحب: حب الوطن وأهله, حب الجمال والابداع, حب الفكر والثقافة, حب الانسانية والأعمال السامية. مدرسة مشرعة للجميع, تنتظر ان يجود الدهر بسلطان آخر يكمل اداء رسالتها. انتمي لجيل ولد على ذكر سلطان العويس, في الستينيات عندما كان التعليم ضيفاً غريباً, يحاول الدخول في المجتمعات البدوية المحافظة والمنغلقة, كان لا بد له من امر ترغيب, ومدخل يدعم وجوده ليأنس البدوي, ويسمح لهذا الضيف ان يحل ساكنا, مقيماً, وان يتعاون معه وينفتح عليه. سلطان كان هذا الانسان, فهو يعرف طبع أهله وخصوصية مجتمع البداوة, ويعلم ضرورة ان تقوم المدرسة, وان يقدم لها الطالب والطالبة. انتبه الى حافز الترغيب, فساهم في أن يقدم (كسوة) للطالب من ثياب وادوات مدرسية, وان يقيم وجبة غداء يومية لجميع طلاب المدرسة. هذا دور من ادوار قام بها, في زمن صعب. اذكر من فضائله ايضاً, في ذات الفترة, ان حلت سنوات جائعة, عطشت فيها النخيل, وكادت ان تموت واحة مثل (الذيد) وموت غابة النخيل التي يسمونها (البلاد) من فرط أهميتها ومكانتها عندهم, يعني ان يموت اهل الواحة, عمل على مساعدة الأهالي, فرعى ودعم عمليات اعادة حفر (شريعة) الماء سنوات وسنوات, وقدم للواحة خير عمل, اقام فيها المسجد الجامع الاوحد, الذي تقام فيه صلاة الجمعة, وعمر البناء اكثر من ثلاث مرات, تحول فيها مسجد الطين الصغير, الى بناء ضخم مآذنه تقترب من السماء, والباني في كل المرات هو سلطان العويس, واصبح المسجد اليتيم مساجد في جنبات الواحة, هذا مسجد العويس الشمالي, وذلك مسجد العويس الجنوبي, وعلى الطريق ثالث ورابع, في كل بقعة أوجد مصلى يعبد فيه الله, وتدعو فيه الجباه الساجدة بالخير والرحمة على من اقام هذا العمل الصالح. اهالي الجبال والوديان وصلهم ايضاً خير سلطان العويس, فلا احد يخاف من جريان البطحا مثل ساكنها, ولا احد يتعثر في السير مثل ساكن الجبل في ليالي الشتاء المحملة بالريح والمطر, أقام العديد من السدود, وعبد الطرق, ورحم اسراً محتاجة في مختلف القرى والمناطق. وفي المدينة اعطى سلطان الكثير. خير الناس من يبدأ بأهله, وقد فعل, وامتدت أياديه الى كل بقاع الوطن العربي من مصره الى شامه والى شتى بلاد الاسلام. ولا يعلم حتى اقرب الناس منه, حجم أعمال البر والمناطق التي وصلها جود سلطان. ووجدت فيه الأمة خير معين على النهوض بمشروعها الفكري في خلق مناخ الابداع وروح الابتكار وتشجيع الثقافة, وتكريم المتميزين الذين ساهموا في صنع مجد وحضارة امتهم, فكانت جائزة العويس أكبر مشروع ثقافي عربي يمتاز بمصداقية ونزاهة في اختياراته واغراضه. ورغم ضخامة ما قدم وانفق, لم تنقص (مالية) العويس, التي يضرب بها المثل, بل كانت تتضاعف كلما اعطى, لأنها ثروة مباركة, اطعمت وكست, وصنعت, واسعدت الكثيرين. وغاب سلطان. جسده فقط الذي ودعنا, اما هو فسيظل خالداً فينا.. في كل الناس. * * * رسالة عاجلة وصلتني امس, في لحظة الكتابة عن المرحوم سلطان العويس. تقول الرسالة ان صديقاً سودانياً له اهل وذكريات ورفاق كثر في هذا الوطن, وفي الاوطان التي وصلت اليها كلماته, هذا الصديق توفي بعد رحلة قاسية مع الاوجاع والمرض, انه (القمر الذي هوى) الشاعر الحالم الباسم في كل الاوقات والظروف قمر الدولة محمد. يرحمك الله يا صديق.. ويرحمنا الله.
{هذي أنا وهذي طباعي وجيت أقدم لك وفاي لا عجب ولا عجيبه .....
أخرى يكتبها المبدع الكاتب سعيد حمدان ,,, يعنونها بالخيرون
وإليكم نقلها ,,,
الله .. كيف تحكم الايام، كيف تسيّرنا، كيف هي حظوظنا فيها، كيف هي أقدارنا؟! صحفي نشيط نطالع اسمه واعماله كل يوم،
وصحفي آخر أقرب الى الابداع والثقافة نطالع وجهه في كل نشاط يقام في اي مكان يمكن ان يوجد فيه فكر وثقافة. الأول ابن صحفي والثاني ايضا ابن صحفي أحب الادب والثقافة كثيرا. الابوان الاول والثاني عاشا وماتا وهما في بلاط صحافة الامارات، الاول والثاني لم يحلما ولم يتمنيا ان تكون النهاية هكذا، وان تكون بداية ابنائهما، ابكارهما في عالم الصحافة، فمن يلج هذا الميدان لا يتمنى الله ان يبتلي احد نسله ويكتب عليه الاقتراب من هذه الهواية الصنعة، انها جميلة لكنها قاسية متعبة حتى الموت.
إلا انها الاقدار، غريب نسجها وعجيب أمرها! الصحفي الشاب النشيط محمد الفاتح قبل اربعة عشر عاما كان طالبا صغيرا في الصف الرابع الابتدائي، وكان والده محمد عابدين صحفي له اسمه ونشاطه، يتولى ادارة مكتب «الخليج» في مدينة العين، اليوم الاخير من حياته قضى صباحه يتابع اخباره، يقوم بمهمته الصحفية اليومية.
كان هو ومصطفى وجاهين، ثلاثي قديم تعرفهم العين وجامعة الامارات تحديدا، عز المعرفة، فعلاقتهم متينة وعزيزة من الجانبين، وقف الثلاثي في الطابق الثاني من مبنى الامانة العامة للجامعة، قرب مكتب الرئيس الاعلى، ينتظرون الاخبار، مر في طريقهم رئيس الجامعة، سلم عليهم ولأن معرفته بهم وثيقة فهم اقرب الزملاء اليه، عرض عليهم حضور احد الاجتماعات، فدخلوا معه، عندما انفض اللقاء واستعد الرئيس الاعلى للمغادرة، خرج معه الثلاثي.
يتذكر محمد جاهين ان زميله عابدين كان اكثرهم حديثا ذلك اليوم. على السلم وهم يهمون بالخروج، قال لرئيس الجامعة: يا شيخ نهيان اذا مت أوصيك بأولادي. ضحك الزملاء، ورد عليه الشيح يعطيك طولة العمر يامحمد ويخليك لهم.
نزلوا وتفرقوا، وعندما انتصف النهار وارتفعت سخونة الطقس، كثرت المكالمات بين الزملاء كانوا يبحثون ويتحدثون عن عابدين. فجأة سقط مغشيا عليه، وبسرعة نقلته الاسعاف الى المستشفى وبسرعة مات عابدين.
في هذا اليوم المشهود، حاسة الموت جعلته يتذكر أغلى ما عنده في هذه الحياة وجعلته ايضا يلتقي رجلا كريما، وفرضت عليه ان يتمنى ويطلب آخر امنية له في هذه الدنيا، اما ما عمله الشيخ نهيان بن مبارك عندما جاءه الخبر فلا يوصف ولا يقدر، ففعل الخير، فضل وشرف لا يمنح للكثيرين ولا يسكن سوى القلوب الطيبة الصافية، انها شيم الكبار، تكفل بأسرة المرحوم منذ اليوم الاول لوفاته، جعلها في عيش كريم واستقرار وامان، ووفر لها كل هذه السنوات سبل ان تكبر وتخط سيرها في هذا الزمن وان تكون كأفضل اسرة تعمل وتحلم وتحقق ما تريده. حتى جاء اليوم الذي نشاهد فيه الفاتح الصغير كبيراً، واختار برغبته ان يكون على خطى والده فحقق له الشيخ نهيان هذه الامنية ان يكون في نفس الصحيفة وفي نفس المكان الذي عمل فيه والده.
الاخر هو محمد نوراني، لا اظن احدا هنا لا يعرفه فمن لايعرف «اخبار دبي» ومن لا يعرف «البيان» ومن منا لم يتعرف على هذا الاسم العلم، قضى حياته محبا للامارات غارقا في صحافتها وفي قضايا المجتمع وفي هموم الحياة، المفصل الاخير هذا ـ هموم الحياة ـ اتعبه كثيرا، خاصة في سنواته الاخيرة، كان يحمل همه وهم كل الاهل والاصدقاء وغير الاصدقاء الذين يلجأون له، لا تجده يتحدث عن قضاياه، انما يبحث عن حلول لهموم الناس، لا يخرج من قرض إلا ويدخل في ديّن اكبر، ومشكلته هي في اخلاقه وطباعه، يحمل قلما لا ينقطع مداده في نبش القضايا وكتابة اجمل وأسخن الزوايا والموضوعات، هذا القلم ايضا لا يغلقه في وجه كل من يقصده طلبا لتوقيعه على ضمان سلفية بنكية، يعلمون انه لا يملك شيئا وانه غارق في ديونه، ويعلمون ايضا انه لا يرد احدا، لهذا لا يخلو مكتبه كل شهر من زميل سوداني او فني مطبعة مصري او فراش هندي، كلهم يبحثون عن قلمه، فأشهر اسم بنكي في قائمة الكفلاء يكون نوراني في مقدمتهم، وعندما يعجز بعضهم عن الدفع، يحجز البنك على ما تبقى من راتب الزميل، وهكذا كان قدره عندما قرر الموت ان يأخذه، كانت ايامه الاخيرة بين المستشفى وبين «ديسك»، الجريدة، حتى تحفظ عليه المستشفى وقرر ان يحبسه على السرير الأبيض، وبدأت رحلة العلاج التي كانت اشد مرارة من الموت، بدأت ببتر اصبع في الرجل ثم ارتفعت وتوسعت وكبرت، وكانت الخاتمة ان جاءه الموت للمرة الاخيرة واراحه من هذا الشقاء. اكبر الابناء كان «ناصر» ذكياً يملك ارادة وبصيرة واعطته الحياة قليلا من البصر، كان وقتها طالبا، فماذا يعمل بأسرة كبيرة تركها المرحوم دون معيل. قيض الله لهم اللواء ضاحي خلفان، فقدم عمل الخير وواجب الانسانية ورعاهم صغارا. وكبر ناصر في شرطة دبي، وعلى صفحات مجلتها بدأ ينشر ويكتب، ووجد نفسه يمارس الصحافة ويمارس الادب والثقافة، يحرص على حضور مختلف المحاضرات والمناشط، اختار ان يسير على درب نوراني الاب، شعلة من نشاط مهموما بقضايا الثقافة والمجتمع والصحافة.
هذان زميلان سودانيان ارادة الله ان يموتا هنا، وزميل ثالث سوداني ايضا كانت رحلته الاخيرة على هذه الارض، فبعد سنوات طويلة من التعب والعمل بين السودان واليمن، استقر به الحال في الامارات وفي احلك الظروف التي كانت تمر بها المنطقة انذاك، وهي مرحلة حرب الخليج الثانية دخل البلاد بتأشيرة زيارة واخذ يبحث عن عمل وطال به البحث وانتهت مدة الزيارة وزادت فترة المخالفة ـ كان الشاعر والاديب قمر الدولة محمد أحد الذين زكاهم نوراني وسعى له طويلا بحثا عن عمل ـ حتى تبسم له الحظ بعد بؤس طويل، فانحلت ازماته ووجد عملا وشعر بالطمأنينة وتحسنت احواله، وقرر الزواج بعد ان قارب الاربعين، او لعله دخلها وبعد عمر من التعب. تزوج وعاد من سودانه، فيه كثير من الفرح وكثير من الاحلام. تردد في ان يترك العمل باللجنة الثقافية في نادي الشعب الذي اخلص وتفانى له لكنه اراد ان يجرب ويغامر، ترك له النادي الباب مفتوحا فقد اصبح أحد ابنائه.
لكنه سقط دون ان يدري به احد هذه المرة على فراش لا يتحرك منه ابدا، فكانت بداية رحلة النهاية. وجد قمر في حالته هذه رئيس النادي الشيخ عبدالله بن سالم القاسمي بقربه، يبحث له عن علاج في الخارج لكن التقارير كانت تقول انه لا فائدة من سفره ولا علاج له. وكان طلبه الاخير من الشيخ عبدالله ان يعود الى السودان يرى زوجته ووطنه، عاد وهناك اشتد المرض عليه، وكتب في شهرين كاملين قصيدة حب ووفاء للشيخ وللامارات، كتبها وهو عاجز لا يتحرك فيه سوى عينيه، تُكتب امامه الكلمة التي يريدها فيوافق او يعدل فيها حتى اتم القصيدة. ارسلها من هناك ومات بعدها.
رحم الله اولئك الاصدقاء الزملاء، ما اصعب رحيلهم وما اجمل الذي ورثوه، وعمل الخير في ساعة الحاجة أسمى عطاء يرسخ في الارض وتحمله القلوب .. لا تنساه ابدا.
{هذي أنا وهذي طباعي وجيت أقدم لك وفاي لا عجب ولا عجيبه .....