آرنست همنغواي
- يجب أن ترى الشيء وأن تجربه وأن تشعر به وأن تشمّ رائحته. هذا ما قاله الشاب المحرر في جريدة (تورنتو ستار) عندما بلغ سن الواحدة والعشرين والذي صار اسمه فيما بعد آرنست همنغواي.
كان من الصعب عليه أن يصدق شهرته التي عمّت أمريكا في زمن نسبي، وبرغم ذلك لم يتمكن الغرور من شخصيته المرحة الطروب وهو يرى اسمه يشع على دور السينما وهي تعرض رواياته (وداعاً للسلاح) و(لمن تقرع الأجراس) و(العجوز والبحر) و(الشمس تشرق أيضاً). وكان يشرب كأسه في صحة أبطاله الذين صاروا أقرب الأصدقاء بعد ظهورهم على الشاشة ومن بينهم: سبنسر تريسي وتايروت باور، وكذلك كاري كوبر وايرول فلين، ومن النساء آفا غاردنر وهيلين هايز.
حياة همنغواي بدورها تستحق أن تكون فيلماً سينمائياً، فهو ليس مجرد روائي كبقية أقرانه، بل هو مراسل حربي ومناضل من أجل الحرية ومغامر من الصنف الأول، ومقامر أيضاً.
***
ولد آرنست همنغواي في مدينة (أوك بارك) في 21 تموز من عام 1899 قال عنه أقدم أساتذته بعد أربعين سنة: إن ما يثير العجب في نفسي كما في نفوس الآخرين من بلدة أوك بارك أن صبياً تربى في جو مسيحي محافظ ومتزمت، عرف الشيطان وعالم الرذيلة وكتب بهذا الجمال والإتقان؟!..
في عام 1915 صارت لديه آلة كاتبة يطبع عليها في غرفته في الطابق الثاني بعيداً عن أفراد عائلته، وكان يكتب عليها من أجل متعة الكتابة، ولم يكن في خاطره أبداً أن ماكان قد بدأ به سيأخذه ذات يوم إلى جائزة نوبل التي حصل عليها سنة 1954.
روايته (العجوز والبحر) غيّرت الكثير في حياته، هي التي بدأها بقوله:
- كان في أحد الأيام رجل عجوز يعيش وحيداً في مركبه يصطاد السمك في مياه خليج ستريم، لكنه لم يتمكن من صيد سمكة واحدة خلال أربعة وثمانين يوماً.
نشرت هذه الروايةعام 1952 وبعدها بعامين فاز همنغواي بأكبر جائزة أدبية في العالم، يقول عنها هو نفسه:
- إنها قصة كفاح رجل وكفاح سمكة من أجل البقاء.
**
والده كان يحب صيد الأسماك والطيور، وأمه تحب الرسم، وقد عاش آرنست الصغير في عائلة مثالية برغم قسوة الأب الذي كان يغضب بسرعة مع أنه عاطفي في الوقت نفسه، وقد أخذ من أبيه الكثير من صفاته.
وأعمال همنغواي لا يمكن الحسن بأنها (كلها) جيدة، بل فشلت بعض رواياته وتسببت في إحباطه وخيبته، كما هو الحال مع رواية (السهول الخضراء في أفريقيا) وأيضاً روايته (عبر النهر وفي الأشجار) ولم تنقذه من الخيبة سوى روايته (العجوز والبحر) التي أخبرت القراء بأن آرنست همنغواي ما يزال في جعبته الكثير ليكتبه ويقوله.
في عام 1953 زار إسبانيا وحلبات مصارعة الثيران، ثم مضى نحو أفريقيا السوداء واصطاد فيها الوحوش، كان قد تعرض للموت مرتين، ونجا بإعجوبة عندما تعطّلت الطائرة التي نقلته من نايروبي إلى أدغال كينيا.
توالت عليه حفلات التكريم بعد فوزه بجائزة نوبل، وكان قد قال في اليوم الذي تسلّم فيه الجائزة:
-مهنة الكتابة تحتاج إلى حياة منعزلة، ولكن عزلة الكاتب لم تعد ممكنة في هذا العالم.
**
في روايته (مات بعد الظهر) يصوّر همنغواي حياة مصارعي الثيران ويحكي فيها عن علاقته الحميمة مع إسبانيا، وفي الرواية نفسها صار آرنست يعتني كثيراً بأسئلة الوجود وصارت الفلسفة تجاور إبداعه، وكم أسقطته دون أن يدري في مستنقع المباشرة.
كان يقرأ تشيخوف وديستويفسكي ومكسيم غوركي وتولستوي لكنه لم يقترب من إبداعهم، بل أخذ مساره خارج تلك العوالم (المعتمة) كما وصفها ذات حوار معه، وأثبت عدم تأثره في روايته (أن نملك أو لا نملك) وهي رواية من ثلاث قصص حول (هاري مورغان) البحار الذي يملك يختاً يستأجره منه الأثرياء، للنزهة والتمتع بالبحر، لكنه يقع ضحية احتيال ويخسر اليخت ويصاب بجروح بليغة، وتمكن من شراء مركب صغير نقل فيه الثوار إلى هافانا، مالبث أن رأى نفسه بين رصاص كثيف بين رجال الكمارك وأولئك الثوار، وأسلم الروح على ظهر مركبه الذي صار بدون قبطان.
وهذه الرواية أيضاً، لم تجد ما يكفي من النجاح والمجد برغم أنها تحولت إلى فيلم ناجح قام بتمثيله هنري بوغارت ولورين باكال ووالتر أوبريان، لكن آرنست لم يستطع إخفاء خيبته بفشل الرواية مهما حقق الفيلم من نجاح جماهيري آنذاك.
***
في عام 1940 تورط العالم في الحرب، شعر همنغواي بنشاط عجيب وهو يتذكر مغامراته في إسبانيا وكيف انتصر على الموت أكثر من مرة، تزوج في السنة نفسها من (مارتا جلهورن) التي كانت تعمل مراسلة لمجلة colliers ذهب بصحبتها إلى الصين وشاهد المعارك التي دارت هناك بين الصين واليابان، ثم عاد إلى كوبا واستقر فيها ردحاً من الزمن.
قرر آرنست همنغواي أن يكرر اشتراكه في الكفاح ضد الفاشية التي صارت تهدد العالم بأجمعه، بشرط أن يكون مستقلاً في تصرفاته، وعرض خدماته عام 1942 على السفير الأميركي في كوبا، فوافق السفير على إدخاله في دائرة الاستخبارات البحرية.
عاش عامين قرب شواطئ كوبا، بحثاً عن الغواصات الألمانية التي تخترق المياه الكوبية، ثم تحول همنغواي إلى طيار وشارك في عدة عمليات هجومية خطرة في عام 1944، وبعد ذلك بعامين آخرين تزوج من زوجته الرابعة ودخل إلى باريس مع أول دفعة من جنود أميركا لتحريرها.
احتفل مع زوجته الرابعة بالذهاب إلى السينما في أول عرض لفيلم (قضية ماكومير) من تأليفه طبعاً ومن تمثيل غريغوري بيك وجوان بينيت وروبرت برستون، وفي عام 1952 كانت الجماهير تحتشد بالمئات أمام دور السينما في أكثر من ولاية لترى غريغوري بيك ثانية في فيلم (ثلوج كليمنجارو) مع سوزان هيوارد وآفا غاردنر، وكان ذلك عرساً أدبياً وفنياً ليس من المكن نسيانه في أميركا.
***
كونراد ايكين رئيس تحرير جريدة (نيويورك هيرالد تريبيون) هو أول من وصف همنغواي بأنه أعظم روائي أميركي معاصر، وكان ذلك بعد ظهور روايته (وداعاً للسلاح) ولم يتحمّس له بقية النقاد في حينه، لكن ما قاله كونراد دفع بآرنست همنغواي إلى أقصى حالات النشاط في الكتابة.
كانت (بولين بغايغر) أولى زوجات همنغواي، عاشا معاً أكثر من ثلاث عشرة سنة، وهي أغزر سنوات الكتابة في حياته، كان شاباً طموحاً مندفعاً، لكن دون غرور، وكانت روايته (وداعاً للسلاح) لم تزل حديث الناس في كل مكان، تلك الرواية التي تحكي عن الموت والشر والفواجع، قصة الملازم هنري مع كاترين باركلي حينما قرر الهرب من الجندية اعتراضاً على الحرب، والنهاية المأساوية لكاترين، والتي أبكت الملايين من القراء والمشاهدين، وقد بيعت من الرواية /80/ ألف نسخة في أربعة شهور وهو الرقم الذي لم يتجاوزه أحد في ذلك الزمان.
يقول بطل الرواية هنري فريدريك بعد موت كاترين:
- هكذا يحدث دائماً، نموت، لا نفهم شيئاً، لا يتسنّى لنا الوقت الكافي حتى نتعلّم، يدفعونك للدخول إلى ساحة اللعب ويعلّمونك قواعد اللعبة، وعند أول خطأ ترتكبه يقتلونك.
هذه العبارة صارت فيما بعد (تعويذة) يكررها شبّان ذاك الزمن ويكتبونها في مذكراتهم كما نكرر عادة قول شكسبير:
- أن نكون أو لا نكون، هذا هو السؤال.
***
منذ أن كان في البندقية (فينيسيا) أصيب همنغواي بتصلّب الشرايين، شاركه توتر عصبي مفرط، وصارت حتمية الموت فكرة لا تفارقه، مع أنه كان يعمل بصبر عجيب واندفاع أعجب، أمضى عام 1958 بصحبة مصارعي الثيران المشاهير من المقربين إليه، وفي حينها طلبت منه مجلة (لايف) الأميركية أن يكتب موضوعاً حول مصارعة الثيران بحيث لا تزيد كلماته عن خمسة آلاف كلمة، لكنه كتب الموضوع بـ/125/ ألف كلمة، وبرغم تردد المجلة في نشره عادت المجلة عن رفضها ونشرته كاملاً في عام 1960 حيث انتهى همنغواي في العام نفسه من كتابة روايته (عيد متنقل) التي لم تنشر في حياته، وكانت آخر أعماله.
كانت أحلى ساعات همنغواي، تلك التي رأى فيها فيلم (العجوز والبحر) يُعرض على شاشات السينما في العالم كله، وكان هو نفسه قد رآه أكثر من أربع مرات، وهي نفسها ساعات البهجة التي تكررت قبل ذلك مع فيلم (وداعاً للسلاح) و(الشمس تشرق أيضاً) من تمثيل تايرون باور وآفا غاردنر وايرول فلين.
كتبت مئات الصحف والمجلات يوم وفاته في الثاني من تموز 1961 عبارة (نهاية رجل عظيم) على صفحاتها الأولى بعد أن أطلق النار على نفسه من بندقيته، بندقية الصيد التي اصطاد بها مئات الوحوش والطيور، وكانت آخر رصاصاتها من نصيب الصياد نفسه آرنست همنغواي.
***
بعد ست وأربعين سنة، ما يزال الروائي الأميركي من مدينة (أوك بارك) آرنست همنغواي، حياً، فقد ذهبت بنفسي إلى مدريد ذات عام، ورأيت البار الذي يشرب فيه، مكتوب على مائدته المغطّاة بالسيلوفين:
- يرجى عدم الجلوس على هذه الطاولة، السيد آرنست همنغواي عائد بعد قليل!..