وورد إلى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية سؤال حول مشروعية الاحتفال به ، فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية (3/84) ؛ ونصُّ السؤال هو :
" س : إنَّ ابني يقيم حالياً مع والدته ، ووالدته تعمل له سنوياً في موعد ولادته ما يسمَّى بـ( عيد ميلاد ) ؛ وهي حفلةٌ تتخلَّلها المأكولات والشموع بعدد سنين عمره ، كل شمعةٍ تمثِّل سنةً ؛ يقوم الطفل بإطفائها ، ثم تبدأ الحفلة ؛ فما حكم الشرع في ذلك ؟ " .
فأجابت بالجواب الآتي :
" ج : لا يجوز إقامة عيد ميلاد لأحدٍ ؛ لأنه بدعةٌ ، وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلَّم أنه قال : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ )) ، ولأنه تشبُّهٌ بالكفار في عملهم ، وقد قال صلى الله عليه وسلَّم : (( من تشبَّه بقوم فهو منهم )) ، وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء : عبدالله بن قعود ، عبدالله بن غديان ، عبدالرزاق ابن عفيفي ، عبدالعزيز بن عبدالله بن باز " .
**********************************************************
" وقد يستدرك عليّ بأن هذا الأمر محدث وأنّه بدعة ، والجواب : أنّه فيما يظهر لي ليس ببدعة ، فالبدعة ما كانت على وجه التقرّب والتعبّد ، أمّا هذه فلا ، فهي من جنس العادات الّتي تجري بيننا كاحتفالات ختام تحفيظ القرءان أو احتفالات التخرّج أو المئويّة التي احتفلت بها الدّولة ولم أر العلماء أنكروها ، بل إن فضيلة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة حفظه الله سمعت أنّه جوّزها ، وما يقال في هذه يقال قي تلك ؟ " ؛ مردود من وجوه :
(1) : الوجه الأول : أنَّ كون هذا الاحتفال ليس ببدعة ، فالرد عليه من كلام الشيخ سمير بن خليل المالكي حفظه الله ؛ قال :
المسألة الثالثة: من شبه المخالفين
ومن شبه المخالفين في هذه الأعياد المحدثة قوله: إن هذه ليست أعياداً وإنما هي احتفالات أو مناسبات وذكريات فقط بخلاف الأعياد التي يشرع فيها ذكر معين وصلاة معينة ونحو ذلك.
والجواب: إن هذا الذي ذكرتموه من الاحتفالات أو الذكريات المتكررة في الأعوام أو الشهور أو غير ذلك هو معنى العيد .
إذ العيد كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هو : (اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو نحو ذلك.
وقال : (فالعيد يجمع أموراً: منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة ومنها اجتماع فيه ومنها: أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات) اقتضاء الصراط المستقيم [1/441-442].
فيقال للمحتفلين بالمولد النبوي والإسراء والمعراج ونحو ذلك ألستم تجتمعون في كل عام لهذا الغرض وتحتفلون به وتعملون لذلك برنامجاً خاصاً وتقيمون لذلك عادة ولائم خاصة بهذه المناسبة؟
ويقال للمحتفلين بالأعياد المدنية أو الوطنية أو اليوبيل ألستم تفعلون نحو ذلك؟
فهذا هو العيد سواء سميتموه به أو بغيره فالعبرة بالحقائق والمسميات.
وقد رأينا من يجاهر بالزنا ويسميه فناً يعانق الرجل المرأة على مرأى من الخلق ويفعل معها ما يفعله الرجل مع حليلته ويجاهر آخرون بالربا ويسمونه فوائد وعمولات ويجاهر آخرون بالشرك ويسمونه بغير اسمه وهكذا فهل غيّر ذلك من حقيقتها وحكمها؟
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها)رواه النسائي [8/312] وغيره.
تنبيه:
هناك فرق بين هذا الاحتفال الذي يعود ويتكرر وبين أن تحدث نعمة للمرء فيفرح لها ويصنع وليمة يدعو لها الناس فإن هذا ليس عيداً، بل هو من المباحات، ما لم يشتمل على شيء من الأمور التي تخرجه إلى المكروه أو المحرم.
ولو قدر أن هذا الشخص أعاد الاحتفال بمناسبة تلك النعمة أعواماً أخرى فإن هذا يصيره عيداً ويدخله في حكم المحدثات من الأعياد والاحتفالات.
وليس ذلك مختصاً بالنعم بل حتى الذي يفعله بعض الناس من الاحتفال بذكرى الأحزان فيجتمعون لذلك بمناسبة مرور عام أو أكثر كما يفعل هذا بعض المسلمين في فلسطين في تظاهراتهم بمناسبة ذكرى الاحتلال فهو داخل في مسمى العيد ، وفيه تشبه بالكفار وإن لم يصحبه فرح وولائم ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد عادة.
شبهة أخرى
وقد يقول بعض المخالفين، إن هذه الاحتفالات بمناسبة ولادة ذلك المعظم، من نبي، أو صالح، أو ملك، أو غيرهم، أو بمناسبة إنشاء كلية، أو مصنع، أو غيره، لا يقصد فيها التشبه، بل هي من العادات التي الأصل فيها الحل.
والجواب من وجوه:
الأول: أن هذه الاحتفالات المذكورة وما شابهها مأخوذة من الكفار إما من الكتابيين أو من غيرهم كما يعلم بالاستقراء.
فالاحتفال بالمناسبات الدينية أصله مأخوذ من النصارى واليهود فقد أحدثوا من ذلك الشيء الكثير فمن أعياد النصارى المشهورة: عيد مولد المسيح ورأس السنة الميلادية و "المائدة" إحياء لذكرى المائدة المنـزلة من السماء ، والجامع لهذه الأعياد هو: الذكرى بمناسبة دينية.
و "اليوبيل" عيد مأخوذ من اليهود وهو "عيد نزول الوصايا العشر على موسى عليه السلام فوق جبل سيناء) انظر "عيد اليوبيل" للشيخ بكر أبو زيد ص13.
ومثل ذلك الأعياد المدنية فهي من سنن اليهود والنصارى ومنها عيد الثورة وعيد العمال وعيد الأم وعيد البنوك وعيد المرأة ويوم الشجرة وأسبوع النظافة ويوم الصحة العالمية ويوم الطفل… الخ . انظر "عيد اليوبيل" للشيخ بكر أبو زيد ص13.
وإن قدر أن هناك عيداً أحدثه المسلمون ، لم يسبقهم إلى إحداثه الكفار، فإن هذا لا ينفي التشبه بهم لأن إحداث الأعياد إحياءً لذكرى معينة فرحاً بها أو حزناً عليها هو من سنن اليهود والنصارى يدلك على ذلك ما رواه البخاري ومسلم (أن يهودياً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً قال فأي آية ؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة/3]…) .
الوجه الثاني: أن التشبه بهم لا يشترط فيه أن يقصد إلى الفعل من أجل أنهم فعلوه بل يكفي أن يكون هذا الأمر مما اختصوا به وهو مأخوذ عنهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذاً عن ذلك الغير.
فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضاً ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبهاً نظر.
لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه ولما فيه من المخالفة كما أمر بصبغ اللحى وإحفاء الشوارب مع أن قوله صلى الله عليه وسلم: (غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود) دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية) ا.هـ اقتضاء الصراط المستقيم [1/238].
الوجه الثالث: أنه لو قدر أن هذا الاحتفال ليس فيه تشبه بهم ولا هو ذريعة إليه فإن قصد مخالفتهم مطلوب مرغب فيه والأدلة على ذلك كثيرة.
منها: الأمر بمخالفتهم في صيام عاشوراء بأن يضاف إليه التاسع كما صح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . رواه مسلم [1133].
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (فتدبر هذا يوم عاشوراء، يوم فاضل يكفر سنة ماضية صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ورغب فيه ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك) اقتضاء الصراط المستقيم [1/249].
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : (خالفوا المشركين) و (خالفوا اليهود والنصارى) في مسائل عدة، كتغيير الشيب، ولباس النعال في الصلاة وإعفاء اللحى وحف الشوارب واتخاذ القصة من الشعر وحلق القفا وتعجيل الفطور وغير ذلك من العادات والعبادات.
فهذا يدل على أن مخالفتهم مطلوبة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (قد بالغ صلى الله عليه وسلم في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات وصفات الطاعات لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم ولتكون المخالفة في ذلك حاجزاً ومانعاً عن سائر أمورهم فإنه: كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب الجحيم كان أبعد عن أعمال أهل الجحيم) اقتضاء الصراط المستقيم [1/445].
وقال: (إن نفس المخالفة لهم في الهدي الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه…) اقتضاء الصراط المستقيم [1/488].
قال: (فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة والمشاركة في الهدي الظاهر توجب مناسبة وائتلافاً وإن بعد المكان والزمان وهذا أمر محسوس.
فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة) ا.هـ باختصار اقتضاء الصراط المستقيم [1/171].
قال: (حتى لو كان موافقتهم في ذلك أمراً اتفاقياً ليس مأخوذاً عنهم لكان المشروع لنا مخالفتهم لما في مخالفتهم من المصلحة كما تقدمت الإشارة إليه.
فمن وافقهم فوت علىنفسه هذه المصلحة وإن لم يكن أتى بمفسدة فكيف إذا جمعهما؟ ) اقتضاء الصراط المستقيم [1/425].
والخلاصة :
أن هذه الاحتفالات والأعياد الزمانية المتكررة في الحول أو في القرن أو في نصفه أو في ربعه أو غير ذلك سواء كانت ذكرى لمناسبات دينية أو دنيوية كلها يشملها النهي وتدخل ضمن البدع والمحدثات في الدين وإن كان بعضها أشد في النهي والكراهة من بعض.
فإنكار بعضها والسكوت عن الآخر تناقض ظاهر، بل وجد في زماننا من يخص الاحتفال بذكرى المولد بالإنكار ثم يشارك في غيره من الأعياد المحدثة وهذا من البلاء الذي ابتلي به المسلمون نعوذ بالله من الخذلان ومن الحور بعد الكور.
انتهى المقصود من كلام الشيخ ،،،
(2) : الوجه الثاني : أنَّ الاحتجاج بكون الدولة قد احتجَّت به فليس بحجَّة ، وهذا ظاهر ، ليس للبيان إليه من حاجة .
(3) : الوجه الثالث : أنَّ الاحتجاج بكون العلماء لم ينكرو الاحتفال بالمئوية باطل من وجهين :
الأول : ليس سكوتهم عنه بحجَّة ، ولا ينسب لساكت قول ، وأما أنَّ بعضهم أجازها فهذا ما أدَّى إليه اجتهاده ، ولا يلزم أحدٌ باجتهاد أحد ، إن كانا من ذوي الاجتهاد في هذه المحدثة التي لها أصل محدث .
الثاني : أنَّ إطلاق وتعميم نسبة السكوت وعدم الإنكار للعلماء عامة غير صحيح ؛ بل قد أنكره طائفة منهم .
وممن أنكرها ، بل ألَّف كتاباً لأجلها الشيخ العلاَّمة : بكر أبو زيد ، وذلك في كتابه المختصر : اليوبيل .
وكذا كتب الشيخ : سمير بن خليل المالكي ، بحثاً في بدعيته ، موجود على هذا الرابط :
http://www.saaid.net/Doat/samer/index.htm
(4) : الوجه الرابع : أنَّ نسبة إجازة ذاك الاحتفال المحدث إلى الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ يجب التوثُّق منها وتوثيقها ، وإن صحَّت فالجواب عنها في الوجه الثاني المتقدم قريباً .
======================================
2- ثانياً : قولك هداك الله - : وقد يستدرك عليّ بأن هذا الأمر تشبّه بالكفّار ، والجواب : أنّ هذا ليس من باب التشبّه من قريب أو بعيد ، وإلّا لعددنا أسبوع الشجرة أو أسبوع المرور من باب التشبّه ولا أعلم قائلا ًبه ، فإنّ هذا الأمر ليس مختصّا بشعب دون شعب أو جنس دون جنس ، وما كان على هذا الوجه كان كالبنطال مثلا الذي جوّزته اللّجنة الدائمة للإفتاء ، فهو ليس محصورا بأحد وليس مختصّا بأمّة.
وإن كان الحرج والمنع بسبب تسميته عيدا ، فسمّه ما شئت يوم ميلاد أو نحوه ، كما يجري عندنا من تغيير اسم العيد الوطني إلى اسم اليوم الوطني ، رغم أنني لا أرى حرجا في تسميته عيدا ما لم يكن على وجه التعبّد ؟
مردود من وجوه : تقدَّم الكلام عليها ضمناً فوق *!