الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :ليس ثمة ما يسيء ويحزن إلا أن ترى الواقع المؤسف للمسلمين والآلام تتقاذفهم يوماً بعد يوم، وحين الخوض في مثل هذه المَعْمَعَات ينتاب الإنسان المحب لدينه وأمته حزن يكاد يفيض كلما تراءت له الأحداث ؛ ومع ذلك فلا يزال هناك أمل يطل من بعيد يعلن وفي وضح من النهار أن النصر للإسلام وأن المستقبل لهذا الدين مهما ادْلَهَمَّت خطوب واسْتَأْسَدت فئران.
هذه مقدمة لما بعدها من خطاب يبين الأمل القادم الذي ليس للبشرية أمان في إعلان التحدي والتصادم معه ذلك انه من عند الله،فكم من فِطَرٍ انتكست، وكم من أمَم ذلَّت لمصادمتها مع الدين الحق والفطرة الحقيقية ؛ وإلا كيف أغرق فرعون وهو من هو في ادعاء الألوهية،وكيف خسف بقارون والمال والجاه تحت سيطرته وسيادته ؛ فهل فكّر عاقل أين هم من زمننا هذا ؟!
إنها النهاية الحقيقية للأمم والأفراد على السواء،وإن كانت تختلف العاقبة والمصير، والإسلام جاء ليعلن أن البشرية قد غرقت في وحل من الطين والآثام، ومن أجل ذلك بعث الله الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم،فانتشل الناس بإذن ربه من ظلمات الجهل والظلال إلى نور الطاعة والهداية، وهكذا مضت سنة من الله في الأرض أن الدين لله،وأن العاقبة للمتقين،وقام هذا الفتى الهاشمي بنفض الغبار عن العرب قبل غيرهم إِذْ هم أقرب المدعوين الذين تستوجب دعوتهم ولم ييأس رغم أن هناك من عارض وتعدَّى ذلك إلى الإيذاء بكل أنواعه المعنوي والجسدي ولكنها الهمة التي لا تفتر والعزيمة التي لا تنقطع .
ألم يسارّه عمه أبو طالب يوماً من الأيام عن التخلي عن هذه الدعوة التي جلبت له المشاكل من كل الأقربين،وأرسل ساعتها تلك الكلمات المدوية ..... يا عم والله لو وضعوا الشمس .... ! لم يكن مجال للانسحاب،أو التخاذل عن الدعوة .. ليس لأنها مبدأ فقط .. لا .. بل لأنها الدين الحق من رب العالمين،فقد يتراجع الإنسان عن مبدأ ما لتأكده من خطأ ذلك المبدأ . أما الدين فهو الحياة،وهو الرسالة العظمى،والمستقبل القادم . ويريد الله لذلك النبي الأمي أن لا يموت إلا بعد أن رأى دعوته تجوب الآفاق مُدَوّيَه بلا إله إلا الله،وهي الماضية إلى قيام الساعة.
وتمضي السنة الربانية،ويخلف الرسول عدول ثقات حملوا هم الرسالة،وبلّغوا الأمانة ؛ فليس لها ثمّ إلا الصحب الكرام،وتتوالى تباشير النصر ؛ ويريد الله لدينه أن يمضي،ولِحَمَلة الرسالة أن يُمْتحنوا .
ومن هنا يعكس المسلم دوره ورسالته الحقيقية،وأما اللاَّهي والسادِر في ملذات الشهوة،ووحْل الغَيّ فلا أقل من أن يعيش صغيراً ويموت حقيراً .
وهانحن نرى اليوم ما يؤكّد أن الإسلام هو الرسالة العالمية،فأعداد الذين يدخلون في دين الله أفواجاً من الأديان الأخرى يفوق الوصف،ويَذْهَل له أهل الديانات أنفسهم ... فما السر العجيب في هذا الدين يا ترى ؟! ليس هناك ثمة سر ؛ ولكن صِدْق هذه الرسالة لأنها من عند الله يؤهلها لأن تبقى وتمضي إلى قيام الساعة ؛ ولو كره الكافرون ؛ وأَزْبَد الملحدون .
إن الإسلام رسالة خالدة وصالحة لأن تبقى ويتعايش بها أتباعها من عصر إلى عصر،ومن جيل إلى جيل ؛ فلا التحريف يصلها،ولا التشويه يؤثر فيها، وهي في ثباتها ومرونتها تعلو ولا يُعْلى عليها .
الإسلام دين ودنيا،ومنهج حياة،وتواصل أخروي،فهل جمعت أفكار وأطروحات ما جمعته رسالة السماء .. أجزم بأن لا والله والحق أوضح مما أؤكد، فهل يعِي المسلم دوره في الحياة،ويعِي رسالته،والأمانة التي تبرأت منها السماوات والأرض والجبال وحملها هذا الظالم لنفسه ؛ فليس من فِكَاك بغير عمل واتباع .