عبد الله بن جحش رضي الله عنه صحابي جليل، هو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب، وصهر الرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن أخته زينب بنت جحش كانت زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، وإحدى أمهات المؤمنين، أسلم قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم فكان من أوائل السابقين إلى اعتناق الإسلام.
هاجر عبد الله بن جحش رضي الله عنه وبعض ذويه إلى الحبشة، ولما أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة كان عبد الله بن جحش ثاني المهاجرين إذ لم يسبقه إلا أبو سلمة رضي الله عنه، لقد كان بيت عبد الله بن جحش بيت إسلام وإيمان لذا هاجر معه أهله وذووه رجالاً ونساءً وشيباً وشباباً تاركين ديارهم حزينة خاوية نهباً لزعماء قريش.
فها هو أبو جهل وعتبة بن ربيعة يقفان على أطلال بني جحش والرياح تصفع الجدران وتقرع الأبواب، فقال عتبة: أصبحت ديار بني جحش خلاء تبكي أهلها.. فرد أبو جهل بصلف: ومن هؤلاء حتى تبكيهم الديار؟.. ثم غصب دار عبد الله بن جحش وتصرف في متاعها.. بلغ عبد الله بن جحش رضي الله عنه ما صنع أبو جهل بداره ومتاعه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها داراً في الجنة!!؟
فقال: بلى يا رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: فذلك لك.. فسر عبد الله وانفرجت أساريره وتهلل.
انتدب النبي عليه الصلاة والسلام ثمانية من أصحابه الكرام للقيام بأول عمل عسكري في تاريخ الإسلام وفيهم عبد الله بن جحش، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لأؤمرن عليكم أصبركم على الجوع والعطش، فعقد اللواء لعبد الله بن جحش وحدد وجهته وأعطاه كتاباً، وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد مسيرة يومين، ولما انقضى اليومان نظر عبد الله في الكتاب فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين الطائف ومكة فترصد بها قريشاً، وقف لنا على أخبارهم.
سار عبد الله بن جحش رضي الله عنه ومن معه حتى بلغوا نخلة، وبدأوا يترصدون أخبار قريش إلى أن أبصروا قافلة فيها أربعة رجال هم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله وأخوه المغيرة، ومعهم تجارة لقريش.. كان هذا اليوم آخر يوم من الأشهر الحرم، فقال الصحابة: إن قتلناهم فإنما نقتلهم في الشهر الحرام وفي ذلك ما فيه من إهدار حرمة هذا الشهر، وإن أمهلناهم دخلوا في أرض الحرم، وأصبحوا في مأمن، فتشاوروا وأجمعوا رأيهم على قتل الأربعة وسلبهم، وما هي إلا لحظات حتى قتلوا واحداً وأسروا اثنين وفرّ الرابع من قبضتهم.
علم الرسول صلى الله عليه وسلم بما فعله الصحابة الكرام فغضب وقال: والله ما أمرتكم بقتال، وإنما أمرتكم أن تقفوا على أخبارهم وأن ترصدوا حركتها، عندها شعر عبد الله بن جحش وصحبه بالهلاك لمخالفتهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وزاد الطين بلّة أمران.. الأول أن إخوانهم من المسلمين جعلوا يكثرون عليهم اللوم ويبتعدون عنهم كلما مرّوا بهم قائلين: هؤلاء الذين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني أن قريشاً اتخذت هذه الحادثة ذريعة للتشهير برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: محمد استحل الشهر الحرام فسفك في الدم وأخذ المال وأسر الرجال.
وفي لجّة الكرب وخضم الهم رضي الله سبحانه وتعالى عن صنيع الصحابة الكرام وأنزل قرآناً يُتلى إلى يوم الدين: ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل).. ففرح عبد الله بن جحش وأصحابه غاية الفرح، وأقبل الناس عليهم مبشرين مهنئين وطابت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمأن قلبه.
جاهد عبد الله بن جحش رضي الله عنه مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأبلى كريم البلاء، كما شهد يوم أحد فكانت له قصة تغني بها التاريخ.. قال سعد بن أبي وقاص: لما كانت أحد لقيني عبد الله بن جحش وقال: ألا تدعو الله؟ فقلت: بلى، فخلونا في ناحية فدعوت فقلت: يا رب إذا لقيت العدو فلقني رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه فأمن عبد الله بن جحش على دعائي، ثم قال: اللهم ارزقني رجلاً شديداً حرده شديداً بأسه أقاتله فيك ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غداً قلت: فيم جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.
قال سعد بن أبي وقاص: لقد كانت دعوة عبد الله بن جحش خيراً من دعوتي فلقد رأيته آخر النهار وقد قُتل ومُثل به وإن أنفه وأذنه لمعلقان على شجرة بخيط.. أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدفن عبد الله بن جحش وخالة حمزة بن عبد المطلب في قبر واحد، وعيناه تذرفان الدمع حزناً عليهما.. رحم الله عبد الله بن جحش،
لقد صدق الله فصدقه..