غنوا وذابوا فهاجَ الشعرُ إذ عزفوا = وما دروا أنهمْ غنّوا ليعترفوا
وردّدوا ما سفَتهُ الريحُ بينهمُ = وكلّهمْ حين يضنيه الهوى دنِفُ
وجاوبوا الأرضَ أنغاماً مُسهّدةً = ورددوا كلَّ ما صاغوا وما وصفوا
وهدْهَدوا من لحونِ الأمسِ موجِدَةً = تناثرتْ نغمةً تهفو وترتجفُ
مروا هنا كلماتٍ بعثرتْ وهَجاً = مع البداياتِ من أسراره الألِفُ
فنمْنموها من الألوانِ قافيةً = وسطّروها بما قالوا وما وصفوا
وردّدوها ندىً معْ قطرةٍ درجَتْ = على العناقيد تحبوهم بما اخترفوا
ألا يزالون في أقسى مواجعهمْ = ولا يزال على جباههمْ أسَفُ
الأمسُ ولّى وذابتْ في حناجرهمْ = مواقدٌ كلما أصْلتْهُمُ ائتلفوا
وكان لحنٌ يهيمُ الأرضَ مضطرباً = وكان شدوٌ يناديهمْ وينجرِفُ
معَ البروقِ ومعْ أنّاتِ شاعرهمْ = ومعْ رقيقاتِ أحلامٍ بها شُغِفوا
تمايلوا وانطوتْ معْ كلّ سانحةٍ = وعودُ عشقٍ لأحبابٍ قد انصرفوا
معاً سيمضون حيث العمرُ يلحقهمْ = وكلهمْ راكضٌ والعمرُ لا يقفُ
وكلهم مبدعٌ جرحا يلازمه = وكل جرحٍ إذا يرْقونه نزِفُ
وكل دنياهمُ نجوى وأغنيةٌ = مِلْءِ القياثر ما عبّوا وما ارتشفوا
وكلهمْ طائرٌ في الريحِ شاردةً = ما كفكفوا دمعهمْ سرّاً وما ذرفوا
وكان فيهمْ نقاء الشعرِ؛ فانبثقتْ = أشواقهمْ، وانبرى في شدوهمْ لَهَفُ
كانوا هنا فاسترابوا إذْ غدوا حلُماً = وجاوبوا الريحَ :"إنَّ السرَّ ينكشفُ "
ذابوا معاً..والعذاباتُ التي رحلتْ = غابتْ ؛ فضاعوا ضباباً بعدما عُرِفوا