الصبر... الصبر... يا أهل الإيمان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الحمد لله الصبور الشكور العلي الكبير ،السميع البصير ، العليم القدير .. الذي شملت قدرته كل مخلوق، وجرت مشيئته في خلقه بتصاريف الأمور، وأسمعت دعوته لليوم الموعود أصحاب القبور.. قدر مقادير الخلائق وآجالهم ، وكتب آثارهم وأعمالهم ، وقسم بينهم معايشهم وأموالهم ،وخلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور .. القاهر القادر ، فكل عسير عليه يسير.. وهوا لمولى النصير ،فنعم المولى والنصير.. يسبح له ما في السموات والأرض بالحق، وصوركم فأحسن صوركم ،وإليه المصير .. يعلم ما تسرون وما تعلنون ، والله عليم بذات الصدور ..
وأشهد أن لا إله ألاالله وحده لا شريك،له إله جل عن الشبيه والنظير ، وتعالى عن الشريك والظهير ، وتقدس عن تعطيل الملحدين ، وكما تنزه عن شبه المخلوقين ،فليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ..
وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، وخيرته من بريته ، وصفوته من خليقته ، وأمينه على وجيه، وسفيره بينه وبين عباده ، أعرف الخلق به ، وأقومهم بخشيته، وأنصحهم لأمته ، وأصبرهم لحكمه ، وأشكرهم لنعمه ، وأقربهم إليه وسيلة ، وأعلاهم عنده منزلة ، وأعظمهم عنده جاهاً ، وأوسعهم عنده شفعة .. بعثه إلى الجنة داعياً .وللإيمان منادياً وفي مرضته ساعياً وبالمعروف آمراً وعن المنكر ناهياً ، فبلغ رسالات ربه ،وصدع بأمره ،وتحمل في مرضاته مالم يتحمله بشر سواه ، وقام لله بالصبر والشكر حق القيام حتى بلغ رضاه ، فثبت في مقام الصبر حتى لم يلحقه أحد من الصابرين ، وترقى في درجة الشكر حتى علا فوق جميع الشاكرين ، فحمدا لله وملائكته ورسله وجميع المؤمنين ، ولذلك خص بلواء الحمد دون جميع العالمين . فآدم تحت لوائه ومن دونه الأنبياء والمرسلين . وجعل الحمد فاتحة كتابه الذي أنزله عليه كذلك فيما بلغنا وفي التوراة و الإنجيل . وجعله آخر دعوى أهل ثوابه الذين هداهم على يديه . وسمى أمته الحامدين قبل أن يخرجهم إلى الوجود ، لحمدهم له على السراء والضراء ،والشدة والرخاء ،وجعلهم أسبق الأمم إلى دار الثواب والجزاء ، فأقرب الخلق إلىلوائه أكثرهم حمداً لله وذ كراً ، كما أن أعلاهم منزلة أكثرهم صبراً وشكراً ،فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع المؤمنين عليه ، وكما وحد الله وعرف به ودعا إليه ، وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : فإن الله سبحانه وتعالى جعل الصبر جواداً لا يكبو ، وصارماً لا ينبو ، وجنداً لا يهزم ، وحصناً حصيناً لا يهدم ولا يثلم ، فهو والنصر أخوان شقيقان ، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب ، والعسر مع اليسر ، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ،ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد .
ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب ، وأخبرهم أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين ، فقال تعالى واصبروا إن الله مع الصابرين . فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة ، وفازوا بها بنعمة الباطنة والظاهرة .
وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين ، فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون .
وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكداً باليمين ، فقال تعالى : ولئن صبرتم لهو خير للصابرين .
وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط ، فقال تعالى : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط .
وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصلاه إلى محل العز والتمكين ، فقال : إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين .
وعلق الفلاح بالصبر والتقوى ، فعقل ذلك عنه المؤمنون ، فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون .
وأخبر عن محبته لأهله ، وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين ، فقال تعالى : والله يحب الصابرين .
ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون ، فقال تعالى : وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون .
وأوصى عباده بالإستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين ، فقال تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين .
وجعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به إلا الصابرون ، فقال تعالى : إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون .
وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها إلا أولو الصبر المؤمنون ، فقال تعالى : وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون .
وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم، فقال : ولا تستوي الحسنة و لا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، وأن هذه الخصلة : ما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم .
وأخبر سبحانه خبراً مؤكداً بالقسم : إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .
وقسم خلقه قسمين : أصحاب ميمنة ، وأصحاب مشأمة . وخص أهل الميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة ،وخص بالإنتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تميزاً لهم بهذا الحظ الموفور، فقال في أريع آيات من كتابه : إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور .
وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر ،وذلك على من يسره عليه يسير ، فقال : إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير .
وأخبر أن الصبر و المغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور ، فقال : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور .
وأمر رسوله بالصبر لحكمه ، وأخبر أن صبره إنما هو لربه ، وبذلك جميع المصائب تهون ، فقال : واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ، وقال : واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .
والصبر آخيه المؤمن التي يحول ثم يرجع إليها ، وساق إيمانه الذي لا اعتماده له إ لا عليها ، فلا أيمان لمن لاصبر له ، وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف ، وصاحبه ممن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ولم يحظ منهما إلا بالصفقة الخاسرة .
فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم ، وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم ، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
0000 نقلا من مقدمة كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين للإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله رحمة واسعة |