إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد:
فإن من الظواهر الخطيرة التي تؤلم القلب وتحز في النفس ما نراه من تأخر كثير من المصلين وقت صلاة
الجمعة والذهاب إليها عند قرب دخول الخطيب، بل إن الخطيب في بعض المساجد ليدخل المسجد وليس فيه إلا ثلاثة صفوف أو أقل ولعل السبب في ذلك أن كثيراً من المصلين حوَّل ليلة
الجمعة إلى ليلة سهر ولهو فاسترسلوا في النوم إلى ما يقارب الزوال بالإضافة إلى ضعف النفس وقسوة القلب والزهد في الآخرة وتبلد الإحساس بأهمية الأوقات الفاضلة واستثقال الطاعة وعدم تحمل الجلوس في المسجد الوقت الطويل.
وإذا تأملنا في هؤلاء المتأخرين نجد أن من بينهم أناساً معروفين بالصلاح والاستقامة، ولو رجعنا إلى الزمن الماضي لوجدنا أن آباءنا وأجدادنا كانوا حريصين على
التبكير لهذه الصلاة والسعي إليها في أول الوقت بل حدثني بعض كبار السن أنهم كانوا إذا صلوا الفجر يوم
الجمعة كان كل واحد منهم يلقى بعصاه في الصف لأول ليحجز له مكاناً اغتناماً لفضيلة الصف الأول والتبكير، لقد رغب الرسول صلى الله عليه وسلم في
التبكير إلى الصلاة عموماً فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلّا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في
التهجير يعنى
التبكير لاستبقوا إليه والمسلم في صلاة ما انتظر الصلاة والملائكة تصلي عليه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال " لا يزال أحدكم في صلاة مادامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلّا الصلاة " رواه البخاري.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني آتٍ من ربي وفي رواية رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي يا محمد قلت: لبيك رب وسعديك قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت: لا أعلم فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو قال: في نحري فعلمت ما في السماوات وما في الأرض أو قال: ما بين المشرق والمغرب قال يا محمد: أتدري فيم نختصم الملأ الأعلى قلتُ: نعم في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السِّبرات وانتظار الصلاة بعد الصلاة ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه قال: يا محمد قلت: لبيك وسعديك فقال: إذا صليت قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون قال والدرجات: إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام " رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب وأسوق لكم حديثاً واحداً أراه كافياً للحث على
التبكير وهذا الحديث هو الذي يحدو المشّمرين إلى
التبكير عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من غَسَل يوم
الجمعة واغتسل وبكَّر وابتكر ومشي ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يَلْغُ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم وصححه، ومن خصائص يوم
الجمعة أن الله تعالى يتخلى فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة ويزورونه فيكون أقربهم منه أقربهم إلى الإمام يوم الجمعة, خرج عبدا لله بن مسعود إلى
الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رواحهم إلى الجمعة" رواه ابن ماجه والطبراني بإسناد حسن.
أخيراً اعلم – أخي المسلم – أن
التبكير إلى صلاة
الجمعة يحتاج إلى جهاد نفس وهذا الجهاد يحتاج إلى صبر فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه غَلَب وحصل له النصر ومن جزع فلم يصبر على مجاهدة ذلك غًلِب وقُهر وأسر وصار ذليلاً أسيراً في يد شيطانه وهواه واعلم – أخي المسلم – أن نفسك بمنزلة دابتك إن عرفت منك الجد جدت وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك وطلبت منك حظوظها وشهواتها.
يقول الإمام ابن الجوزي – رحمه الله – إن النفس إذا أطْمِعت وإذا أُقْنعت قنعت فإذا أردت صلاح مرضها فبترك غرضها احبس لسانها عن فضول كلماتها وغض طرفها عن محرم نظراتها وكفّ كفّها عن مؤذي شهواتها إن شئت أن تسعى لها في نجاتها، أ – ت والسعيد من وفق إلى اغتنام الأيام والليالي في الأعمال الصالحة وحاسب نفسه على دقائقها وثوانيها واشتغل بفاضل العمل عن مفضوله وشمّر عن ساعد الجد بلا كلل ولا ملل. .