 ركبت البحر الأعظم، وغصت في الذي نهى عنه أهل الإسلام هذه عبارة الإمام أبي المعالي الجويني رحمه الله . ذكر هذه العبارة غير واحد من أهل التراجم وقد قالها في آخر عمره نادما على سلوكه طريقة أهل الكلام ومذهب غير السلف رحمهم الله . ذكر ابن الجوزي في المنتظم بعض العبارات الأخرى غير هذه نذكرها كلها : (وكان الجويني قد بالغ بالكلام، وصنف الكتب الكثيرة فيه، ثم رأى أن مذهب السلف أولى، فروى عنه أبو جعفر الحافظ أنه قال : ركبت البحر الأعظم، وغصت في الذي نهى عنه أهل الإسلام كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطف بره وإلا فالويل لابن الجويني... وأنبأنا أبو زرعة، عن أبيه محمد بن طاهر المقدسي قال : سمعت أبا الحسن القيرواني وكان يختلف إلى درس أبي المعالي الجويني يقرأ عليه الكلام يقول : سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو علمت أن الكلام يبلغ إلى مابلغ مااشتغلت به . وحكى هبة الله بن المبارك السقطي قال : قال لي محمد بن الخليل البوشنجي: حدثني محمد بن علي الهريري وكان تلميذ أبي المعالي الجويني قال : دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه أسنانه تتناثر من فيه ويسقط منه الدود لا يستطاع شم فيه: فقال: هذا عقوبة تعرضي بالكلام فاحذره ) وذكر ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة القصة الأخيرة أيضا . وقال السمعاني : وقرأت بخطّ أبي جعفر أيضاً: سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثمّ خلّيت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظّاهرة وركبت البحر الخضمَّ العظيم، وغصت في الّذي نهي أهل الإسلام منها، كلّ ذلك في طلب الحقّ. وكنت أهرب في سالف الدّهر من التّقليد، والآن رجعت من الكلّ إلى كلمة الحقّ. عليكم بدين العجائز. فإن لم يدركني الحقُّ بلطيف برّه، فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على برهة أهل الحقّ، وكلمة الإخلاص: لا إله إلاً الله، فالويل لابن الجوينيّ يريد نفسه. رحم الله الإمام الجويني ، ومن هنا نعلم رجوع هذا الإمام إلى ما كان عليه السلف رحمهم الله تعالى في الاعتقاد . |
رضي الله عن هذا الإمام الجبل الأعجوبة , شيخ حجة الإسلام وبركة الأنام الإمام الغزالي _رضي الله عنهما وعن علماء أهل السنة جميعاً_ ..
وأنا أعلم يا أستاذي الكريم : العرندس أنك مجرد ناقل لهذا الكلام المقتبس ..
ولهذا أقول : أي رجوع يتحدث عنه الكاتب ! وفي ظنه أي أعتقاد كان عليه الإمام الجويني _رضي الله عنه_ !
إن إمام الحرمين الإمام الجويني _عليه شآبيب رحماته وبركاته_ عاش على عقيدة صافية نقية لا تشوبها الشوائب , ومات على عقيدة صافية لا نعتقد إلا أنها العقيدة التي يريدها منا ربنا وخالقنا جل جلاله .
عاش على الحق .. ومات وهو على الحق .
وأما ماتم ذكره أو بالأصح فهمه من هذه السطور "المقتبسة بالأعلى" فهو فهم خاطئ لكلام إمام الحرمين وفهم سقيم لمنهج وعقيدة أهل السنة والجماعة . فالإمام الجويني _رحمه الله تعالى_ في آخر حياته لم يرجع أو يغير معتقده بالمفهوم الذي يفهمه بعض المبتدعة الذي ظل هذا الإمام يحارب معتقدهم وفسادهم ؛ وينسف حججهم وأقوالهم الضعيفة وأفهامهم السقيمة .. فالإمام الجويني _رحمه الله تعالى_ عاش على أعتقاد صحيح وهو إعتقاد أهل السنة والجماعة , وفي آخر حياته قام بتغيير مسلكه لا أعتقاده .
فأهل السنة يثبتون مسلكين ويقرون بها وهو مسلك التأويل ومسلك التفويض .. والإمام الجويني _رحمه الله تعالى_ أنتقل في آخر حياته من مسلك التأويل إلى مسلك التفويض ؛ وكلاهما حق .
يقول إمام الأئمة الإمام المجتهد : تقي الدين السبكي _رضي الله عنه وأرضاه_ في طبقات الشافعية ( المجلد 5/ الصفحة191 ) : ( ثم أقول: للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفـات، هل تمرُّ على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه، أو تؤوَّل ؟ والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزوُّ إلى السلف، وهو اختيار الإمام ـ يعني الجويني ـ في الرسالة النظامية وفي مواضع من كلامه، فرجوعه معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، ولا إنكار في ذلك ولا في مقابله ـ يعني التأويل ـ فإنها مسألة اجتهادية، أعني مسألة التأويل والتفويض مع اعتقاد التنزيه، إنما المصيبة الكبرى والداهية الدهياء الإمرار على الظاهر والاعتقاد أنه المراد وأنه لا يستحيل على الباري) اهـ : | الأستاذ العرندس 