قبل أن أسافر كنت أتمنى لو أنه يحصل شيء ما يمنعني من الذهاب فأقاويل كثيرة أرعبتني وجعلتني أخشى من مجرد التفكير في النزول في مطار " دربن" .. كانت الخطوات متثاقلة وأحسست أنني من الصعب أن أتجاوز هذه الرحلة بسهولة .. انه وقت الإقلاع ولا مفر.. كنت في صالة الانتظار اسمع النداءات فإذا بالنداء الأخير يخبرني انه علي أن أتوجه للطائرة.. أخذت مقعدي وجلس بجانبي احد الذين سيحضرون المؤتمر وصدقا كنت واثقة أن كل من معي هم ذاهبين لنفس الاجتماعات وقد تأكد ظني حين وجدتهم لاحقا في القاعات والممرات .. وصلنا في الوقت المحدد وبدأت استرجع ما قيل لي من عدد الأوراق التي يجب أن احضرها معي للهجرة .. وكأن " تأشيرة دخولي" والتي كتب فيها لماذا قدمت لجنوب أفريقيا لا تكفي.. تقدمت في الدور كانت الشرطية التي أمامي ترتدي قبعة جميلة جذبتني إليها سألتها هل تريدين الأوراق التي طلبت مني؟ قالت لا جواز سفرك والتأشيرة تكفي.. ودعتني بابتسامة أراحتني لأقول لها .. " قبعة جميلة" تلقاني موظف السفارة وتوجهت بالسيارة مع احد زملائي من وزارة الطاقة.. كانت المناظر الجميلة على جانب الطريق وزخات المطر القليلة تعطيني إحساسا بالراحة والطمأنينة .. قد ذكرت ذلك سابقا في مقالتي " اشتقت للأسد" لكن لابد أن أعترف بأني سحرت باللون الأخضر وإحساس الحب الذي شعرت به ليس لشخص بل لمكان جميل أهداني السكون ..!
مررت بمكان التسجيل لأحصل على بطاقتي قبل يوم الافتتاح الرسمي وزحمة الطابور الطويل.. كانت المكان خاليا تقريبا .. تقدمت لأمراه أخذت جواز سفري وطبعت بطاقتي لكنها ظلت تنظر إلي لتسألني " هل يجب أن تلبسي الحجاب" فاجأني سؤالها " قلت نعم ويجب أن أكون محتشمة وتكون ملابسي ساترة" أحست فالبداية بالشفقة علي لكني وضحت لها أن هذا لحمايتي والمحافظة علي.. رأيتها تأثرت وقالت لي هل يمكنني أيضا أن ارتدي الحجاب ؟ قلت لها نعم.. ودعتها وهي لا تزال تنظر إلي .. جعلتني أحس أن حجابي أيضا يحملني أمانة وأن كنت أحس دائما بتقصيري لديني ..!
دخولي للفندق لم يفاجئني كثيرا فقد توقعت الأسوأ وذلك لتأخرنا في الحجوزات وقد سبقنا مايقارب ال20 الف.. هي تجربة جديدة بأن نكون دعني أقول نعيش في نزل اكثر منه لفندق " خمس نجوم" كما تعودنا أن نعيش في رفاهية حتى في سفرنا وقد ذكرني هذا بقول إحدى زميلاتي أثناء عملي في كندا بأن الغرفة يجب أن تكون فقط نظيفة وننام بها لساعات فلسنا هنا لنبقى فيها طوال اليوم.. وصدقا ما قالت لم تكن الغرفة إلا محطة ساعات للراحة.. الراحة التي لم أجدها لمدة أسبوعين.. كانت غرفتي تقع في الزاوية بالضبط عند نقطة الباصات ودوران السيارات حيث أن الجهة الأخرى من الشارع كانت مغلقة تماما.. كان لدي شرفتين ونافذة مما جعلني محاصرة بكل الأصوات منذ السادسة صبحا وصراخ المارة بالأسفل..ناهيك عن الميناء القديم الذي جعلني أصحو كل يوم على صوت البواخر.. لم تكن تجربة دونما متعة ففي الليلة الأولى كنت أحس أن المكان سيغرق ويسقط من شدة صوت المطر خارجا .. رياح شديدة .. وكنت أرتعب خوفا فحرمت من النوم بعد رحلة السفر الشاقة والتي قضيتها مستيقظة اقرأ قصة علمتني تاريخ دولة قمتت النساء ولازالت! فالصباح التقيت بمستشارنا فإذا به يقول لي " لقد غرقت غرفتي" لم أقاوم نفسي.. جعلني أضحك في وصفه بأنه كان في بركة ماء وظن للحظة أن الغرفة ستهوي به.. كان اللقاء في مطعم لا أعرف بما أصفه .. قائمة الطعام محدودة .. الكراسي والطاولات كانت تذكرني بأفلام " الكاو بوي" كأنني في فلم من العصر القديم ..! تطلب المكواه وبعد ساعة يطرقون الباب طلبا له مرة اخرى.. في يوم فوجئنا بأن المكان مغلق.. المطعم مغلق وعدد من الشرطة عند المداخل.. لنعلم لاحقا أن رئيس جنوب أفريقيا حضر استقبالا ضمن المؤتمر في المكان الذي نعيش فيه ونعده أسوأ تجربة نمر بها.. لكن الرئيس كان هنا للحدث وليس لمكان بسيط!!
في قاعات المؤتمر ومنذ أول يوم شاهدت الناس ألوانا وأشكالا الكل يبحث عن القاعة الرئيسية وفضلت الجلوس والنظر الى الكل.. كنت اسأل نفسي هل نحن سنحقق يوما تقدما بالفعل.. كل هؤلاء الطلبة والمتطوعون والذين ارتدوا قمصانا كتب عليها " لي الحق في الحياة كما عشت" فيهم من الحماسة ما فقدته منذ زمن.. فقد كنت في بداية تعملي لمفهوم البيئة مأخوذة بما يجب أن نفعله ونقوم به .. لكنني اليوم أدركت تماما أن ما كنت أفكر فيه وما علمني إياه أساتذتي سيأخذ سنوات ليست بأقل من 20 سنة على تقديري البسيط فالأمور تتغير ببطء السلحفاة .. وكيف لك أن تتحرك وقد ارتبط اقتصاد دول بما يريد العالم هنا أن يحققه .. ليس الأمر التقليل من الانبعاث بل العمل على إعادة التوازن الذي اخللناه بكل عملياتنا .. فسبحان الله حين خلق الأرض جعل الجبال ثوابت .. وجعل نسبة الماء إلى الأرض متزنة ما يجعلنا نعيش بسلام فماذا نواجه اليوم.. أزيلت الجبال.. ردمت البحار.. وذابت الثلوج .. لتزيد الفيضانات ويزيد عدد المشردون والجياع .. طالت البنايات الزجاجية فزاد استهلاك الكهرباء وارتفعت حرارة الأرض .. ذكرني هذا بحديث بسيط مع والدي قبل أن أسافر بساعات حين سألني " عن ماذا اجتماعكم" فقلت له " أتذكر كيف كانت الحياة جميلة قبل سنوات ودرجات الحرارة مناسبة.. نحن نريد أن نعيدها كما كانت.. قال هل يمكن ذلك.. قلت نحن نحاول .. وفي داخلي كنت أردد "هيهات أن تنزل درجة دونما تضحيات" !!
المكان كل يوم يعج بالناس.. بالاجتماعات.. انتهى أسبوعي الثاني بالإرهاق وعدم القدرة على النوم إلا ساعات محدودة .. لم أكن يوما لأتخيل بأن وظيفتي ستجعلني أرى ما كنت اسمع عنه بأن الناس لا تتفق ..! كنت مثالية واعتقدت أن الأعلام يهول الأمور .. لكني رأيت انك أن كتبت جملة هنا واتفق عليها الكل فأنت حققت انجازا تاريخيا..! كانت لي في هذه الرحلة زميلتين .. شيخة.. صديقة الدراسة منذ أيام البكالوريوس وقد سافرنا معا في مهمة عمل في عام 2006 ولم نحظى بسفرة أخرى إلا الآن .. أحسست منذ أن عرفت بأنها معنا بأن التجربة ستكون مختلفة معها فهي عاشت معي في السكن الجامعي .. في فصل الدراسة وفي مشروع التخرج .. كانت بداياتنا متقاربة ولم نحلم يوما بمسار معين لكن الأقدار جمعتنا .. شيخة فتاة طموحة .. بسيطة لا تعقد الأمور .. تنظر للحياة في رغبة جميلة في مستقبل يحمل الحب والأمل ..لم تحب كثيرا الأجواء لكنها أحبت وكلي قناعة جنوب افريقيا فهي من كان خلف فكرة رحلة السفاري فكافأتها افريقيا بأن شاهدت الأسد يمشي أمامها بكل اعتداد.. وهي أكثر من اشترى تذكارات من هذا المكان لاعتقادها أنها لن تعود اليه يوما.. كنا نتشارك الطعام ونفترش ارض غرفتها ليلا.. حملت في ايام عدة الخط وكتبت لديها أسماء أشخاص طلبوها مني منذ سنوات فأحسست بأني على استعداد تام بأن يحصلوا عليها مكتوبة من جنوب افريقيا.. فعذرا على تأخري لكنها وصلت أخيرا ولا يزال البعض ينتظر..!
مريم .. ليست أنا بل فتاة صغيرة التحقت بالخارجية مؤخرا .. وقد أكرمت قبل مدة بالحج فأصبحت الحاجة مريم .. مريم كانت شغوفة لأن تتعلم .. وتحاول ما تقدر عليه .. وان كنت في نفس سنها وفي مقتبل العمر فصدقا لن أستطيع مجاراة ما مررنا به .. فكل طاقاتنا استهلكت في ساعات الجلوس والتفاوض.. لم نكن لنخرج ونستمتع .. بل محصورون في المكان .. كانت تجمعنا معها استراحة الغداء والقهوة حتى أزعجتهم بحديثي الكثير عن عالم الطيران فباتت مريم تعرفه معرفة جيده بكل خلافاته وتناقضات الحوارات التي نجريها مع المفاوضين .. خرجنا يوما لنحظى بوجبة غداء خارج مبنى الاجتماعات فانتهى الأمر بنا بمطعم " هندي" وكأننا نبحث عنهم أينما ذهبنا فالأكل الهندي هو موروث أصبح جزءا من تاريخنا .. لا سيما " البرياني" .. كان ظهر ذلك اليوم هادئا في مقابل المحيط ولمدة ساعة أكلت دونما أحس بأني ثقيلة في حين أن القليل من " البرياني" كفيل بأن يجعلني أنام اليوم بأكمله .. لكن ذلك لم يحصل بل عدت في المساء جائعة وأكلت أكثر من الباقين.. وشيخه تسألني كيف ذلك..! يا ترى هل هو الاخضرار ونقاء الجو السبب؟ لقد كانت افريقيا نظيفة في نظري فلم أشتم إلا رائحة العشب المنعشة بعد المطر وما رأيت الا ابتسامة شعبها الذي يعاني حقا ويحتاج للكثير من المساعدة لينمو ..
جنوب أفريقيا كدولة أعدها استطاعت أن تسجل حضورها وأن تكون ضمن خارطة العالم في رغبتها الحقيقة في عمل ما يمكن به إنقاذ الحياة الطبيعية قبل البشر.. فهي تملك ثروات حيوانية كبيرة ساعدها في ذلك طبيعتها الخضراء وتوفر الماء كأمطار دائمة .. تذكرت في لحظات كثيرة القرى البعيدة كيف يعيش شعبها دونما " جمعية تعاونية، مخبز، مركز تسوق، سيارات، مدينة العاب، الخ" .. انه التكيف مع ما لديك لتحيى سعيدا .. انه الرضا بالقليل لتبقى في سلام .. والسلام قصة أخرى .. لقد كانت الشائعات ولا ادري لليوم إن كانت حقيقة أم لا.. فقد نبهنا وقيل لنا بأنها دولة غير أمنه وبها الكثير من الجرائم .. لكنني لم أشاهد شيئا منها.. لم نكن نتحرك إلا في مجموعات ولم نكن نخرج ليلا أو نهارا لنتمشى .. كنت اشاهد المحيط من بعيد من شرفتي فأحس بجمال وهدوء المكان.. رأيت يوما من شرفة غرفتي مجموعة من أبناء البلد يمشون على " الكورنيش" بملابسهم المحلية فقلت لابد أن المكان جدا امن .. الحقيقة الحية هنا .. أنه وان كانت هناك جريمة فهي حقيقة يجب أن نقر بها حين يكون الشعب جائعا ولا يملك قوت يومه .. لم تكن هناك كفاية فقلة المال هي ما وجد هناك .. كنا نحس أن الأسعار جدا منخفضة بالنسبة لنا لكنها كانت كثيرة بالنسبة لشعب لا يملك حق " سندويشة" غداء.. هذه بلد يسكنها ديانات كثيرة " البوذية، المسيحة، الاسلام" وكان جميلا حين نرى أن هناك الكثير من المنتجات " حلال" ..
انتهت الأيام هناك سريعة تعلمت أن أحب القليل وأن أعيش بمتعة .. أن لا أكثر من التذمر فغيري لا يملك وجبة أو ماءا نظيفا.. في جنوب أفريقيا تعلمت أن المهم ليس عمران البشر بل المحافظة على ما خلق على هذه الأرض قبل نزول أدم ..الحياة جميلة بلونها الطبيعي.. وإحساسنا بالأشياء حولنا .. في رحلة عودتي أحسست أنني أودع مكانا ربما لن أعود إليه في القريب العاجل .. جلست في قاعة الانتظار .. تناولت وجبة خفيفة بكل راحة .. ركبت الطائرة التي لم تكن مزدحمة.. فالاجتماعات لم تنتهي وكان على القلة البقاء والقتال..! بعد أن جلست في مقعدي تبين أن من يجلس بجواري رجل .. تقدم مع الطاقم وقال لي إن كنت تحسين بالحرج وتريدين أن أغير مكاني فلا بأس لدي.. لم اتذمر لحسن خلقة ولباقته.. جلس بكل احترام .. وقد كانت بطاقة المؤتمر لا تزال معلقة لم يخلعها فقلت له " اذا أنت هنا لنفس الاجتماع" .. ابتسم وسألني عن عملي وما ان كنت مفاوضة فقلت " نعم" قال " جميل أن نرى بلادكم تشجع المرأة .. قلت " الحمدلله فلدينا قيادة حكيمة ".. تبين بعد مدة من حديثنا أني اجلس بجانب وزير البيئة لدولة "بنجلاديش" ومن بجوارنا مساعد وزير البيئة لدولة " الهند" .. سألته بعفوية كيف ترى الحياة وأنت وزير؟؟ اجابني "لا املك حياتي " بل هي ملك للشعب فهم من اختارني..! لم نمضي الوقت في الحديث عن البيئة بل تطرقنا لأختلاف ثقافاتنا وتشابهها كمسلمين.. وكيف أن هناك ثوابت وقيم لا تتغير وأن غيرها القانون " كجواز زواج المسلمة من غير المسلم لديهم اليوم وأن كان المجتمع يرفضه"؟؟!!!
شكرا جنوب أفريقيا على روح التواضع التي زرعتها في.. شكرا على قيم الحب التي رأيتها في عين شعبك .. وشكرا على انك ذكرتني بأن النعم قد تزول يوما وقد نكون بحاجة للغير كما هم اليوم بحاجة لتكاتف كل الجهود لحماية هذه الأرض.. سأشتاق لجمال طبيعتك .. وصدقا أنت من أجمل مارأت عيني وأتمنى أن تبقي كذلك بعيدا عن تمرد البشر دونما مقياس.. أو حساب..
رد : سلسلة اشتياقاتي- المقالة 23- اشتقت لجنوب افريقيا..!
الاستاذة مريم أصبحتي نحلة نشيطة من كندا الى الصين على جنوب افريقيا.....استمتعت بالقراءة وعلى هذه المواقف الجملية التي عشتها ....انا من عشاق أفريقيا القارة السوداء التي فيها الحياة البسيطة والبدائية شكرا ولعلنا نزورها يوما