الأعراب ووصدق الدعاء
اعترف بانني من اشد المعجبين بالاعراب لما لهم
من خصال حميدة لا يجد معاشرهم
كثير عناء في التقاطها
فتجد عندهم الصفاء والنقاء في مانطقوا به إن كان
نظما أو نثرا وتجد عندهم سرعة البديهة والفطنة
وتجد عندهم الصدق في القول والفعل
..والكرم وحسن الضيافة والى ما هنالك من شيم لا
تخفى على من عاشرهم .
وقد قال عمرُ بن عبد العزيز رَضي الله عنه:
ما قَوْم أَشْبَه بالسلف من الأعراب لولا جَفَاء فيهم.
فدعونا نلتقط من أقوالهم مايكون لنا زادا في
معاشنا ومعادنا..
قال المفضَّل الضَّبِّي:
قيل لأعرابيّ من أين
معاشكم؟ قال: من أزواد الحاجّ.
قلت: فإذا صدروا فبكى، ثم قال: لو كنا نعيش من
حيث نعلم لم نعش.ثم قال: أتفهم؟ قلت:نعم .
وتعلق أعرابي بأستار الكعبة
وهو يرفع يديه إلى السماء و يقول:
رب أتراك معذبنا وتوحيدُك في قلوبنا
وما إخالك تفعل ،
ولئن فعلت لتجمعنّا مع قوم طالما أبغضناهم لك
وأوصى أعرابي ابنه فقال :
يا بني لا تغرنك بشاشة امرئ حتى تعلمن ما
وراءها ؛ فإن دفائن الناس في صدورهم ،
وخدعهم في وجوههم
و دعا أعرابي في طريق مكة فقال :
هل من عائد بفضل أو مواسٍ من كفاف ؟
فأُمسك عنه فقال :
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز ،
ولا إلى الناس فنضيع ؟ .
قال الأصمعي :
أصابت الأعراب مجاعة فمررت بأعرابي
قاعد مع زوجته على قارعة الطريق و هو يقول :
يا رب إني قاعـد كـما ترى
وزوجـتي قاعـدة كما ترى
والبطن مني جائع كما ترى
فما ترى يا ربنـا فيما ترى؟
قال أعرابي لهشام بن عبد الملك
أتت علينا ثلاثة أعوام فعام أكل الشحم وعام
أكل اللحم وعام انتقى العظم
وعندكم أموال فإن كانت لله فادفعوها إلى عباد الله
وإن كانت لعباد الله فادفعوها إليهم
وان كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإنالله يجزي
المتصدقين
قال فهل من حاجة غير ذلك قال
ما ضربت إليك أكباد الإبل أدرع الهجير وأخوض
الدجى لخاص دون عام .
قال غَيْلان:
إذا أَردتَ أن تَسْمع الدُّعاء فاسمع دُعاء الأعراب.
قال الأصمعي:
سمعتُ أعرابياً في فَلاة من الأرض
وهو يَقول في دُعائه:
اللهم إنّ استغفاري إياك مع كثرة ذنُوبي لَلُؤم وإنَّ
تَرْكي الاستغفار مع مَعْرِفتي بسعَة رَحمَتك لَعَجْز.
إلهي كم تَحَببْتَ إليّ بنعمك وأنت غَني عنِي وكم
أتبغض إليك بذُنوبي وأنا فقيرٌ إليك.
سُبحان من إذا تَوعَد عفا وإذا وَعَد وَفى.
أوصت أعرابية ابنها فقالت:
يا بني إن سؤالك الناس ما في أيديهم من أشد الافتقارإليهم..
ومن افتقرت إليه هنت عليه.
ولاتزال تحفظ وتكرم حتى تسأل وترغب..
فإذا ألحت عليك الحاجة ..
ولزمك سوء الحال..
فاجعل سؤالك إلى منإليه حاجة السائل والمسؤول.