حين كنا صغارا تعودنا أن نذهب وبشكل سنوي مع المدرسة إلى "حديقة الحيوان" كنت استمتع بالنظر الى الحيوانات ومتابعتهم ولكني كنت دائما اتساءل لماذا هم حزينين ولماذا كل هذا التوحش! بالامس اعتقد اني عرفت ..!
في رحلة جميلة بدأت فالصباح الباكر .. ساعات انتظار لأننا قررنا أن نذهب إليهم في بيتهم " رحلة سفاري" .. كانت المناظر من حولي تشعرني بأني في عالم أخر عالم الكرتون الذي كانت تحلق فيه هايدي مع جدها والعنزات.. عالم هادئ جميل بلونه الأخضر وسمائه الزرقاء .. لا يلوثه دخان أو مصانع مزعجة .. ترى البيوت فتتساءل كيف يعيشون بهذه البساطة؟ النساء كنت أراهم ينقلون الماء على رؤسهم الى بيوتهم .. كيف تتحول حياتهم الصعبة لمتعة ونحن لدينا كل الإمكانيات والتسهيلات لكننا لا نملك كلمة الرضا التي ستشعرنا بالسعادة والفرح .. لا نملك الطبيعة الجميلة الخضراء مثلهم لكننا نملك نعمة الأمن والأمان..! كانت البيوت تأخذ شكلا مستطيلا وحولهم مثل الغرف الدائرية التي اتمنى أن تكون مثل مرسم خاص في امارس هوايتي الجميلة.. فأذا بالقصة تقول أنه اذا تزوج الرجل بنساء اخريات كانت هذه الغرف مسكنا لهم ..! تمنيت أن اسكن هناك ليوم فقط لأعايش مايعيشون وأحس بالنعم الكثيرة التي نحن نملكها في دولتنا الحبيبة..!
النظر لكل تلك الأشجار والامتدادات ليس امرا نراه كل يوم .. بل تحس في جنوب افريقيا ان الايجابية منتشرة في سهولها واشجارها .. لا تملك ان تتملل أو تشعر باليأس بل تأخذ نفسا عميقا وتقول " يا الله مااجملك وما اجمل ماخلقت"..
وصلنا للمكان دخلنا فأذا بمجموعة من القرود على يميننا " تنظر اليك وتنظر اليهم في أول مرة دون سياج" .. على يسارنا كان الحجم الضخم الذي لطالما رأيته في السيرك .. انه الفيل ذلك الحيوان الذي أحس أنه حنون ومحب أرى في عينيه الدفء وأن كنت لا أشبهه بأحد من البشر.. وكلما تتحركت السيارة عيوننا ترقب المكان لعلنا نرى ما جئنا لنراه .. كنت احدث نفسي.. يالله كيف تعيش هذه الكائنات ولماذا خلقت في المقام الأول.. لتبهرنا..؟ لتجعل لنا من قصة المملكة التي كلنا نعرفها نموذجا.. فهم وأن كانوا يتنافسون في العيش إلا أنهم يعيشون بمبادئ واحترام الممتلكات .. وهي صورة مصغرة لنا تعلمنا كيف يجب أن تتوزع الأدوار وتحترم دون تعدي..!
دخلنا لمنطقة التخييم وتلك تجربة اخرى في انتظار سيارة لم اكن لأتخيل انني سأركبها.. "جيب لعشرة أشخاص" كنت ارى منها في الأفلام الأجنبية اثناء المطاردات .. بالامس كنا نحن من يستقلها في احساس لااعرف المفردات التي يمكن أن تعبر عنه.. يأخذنا المرشد عن قرب لمكانهم.. قال لنا " يجب أن نلتزم الصمت وأن لا نزعج الحيوانات فنحن نزورهم في بيتهم ونحن ضيوفهم" .. كم جميل هذا الأحترام لهذه الحيوانات .. ففعلا هذه ارضهم ومملكتهم .. مكانهم الخاص الذي أعطاهم الله اياه فكيف لنا أن ندعي أننا الأهم!
تراهم تمشي بجنبهم " الحمار الوحشي بخطوطه البيضاء، وحيد القرن والذي قبل هذا اليوم اعتقدت أنه بطئ جدا جدا لكن الحقيقة أنه اذا حاول أن يسرع فان سرعته تكون 40 ميل/ساعه لذلك حين كنا نراه ونعود بالسيارة لا نجده فأذا به قد تقدم قليلا، الزرافة الجميلة بطولها الذي يصل ل5 امتار وشموخها في نظرتها للسماء، الجاموسه التي تختلف في شكلها عن جامسوتنا .. كانت مريضة فأمرضت من يلتهمها كفريسة، والجميل فالامر أن الذي يقود القطيع ويقول لهم أين يذهبون هو الأنثى.. الغزلان بلونها البراق الجميل والجمال الذي يأخذ لبك فتعشق الحب من خلالها وتتمنى أن تكون المحب لها، ومضينا.. رأيناهم لكننا كنا سعيدين برؤيتهم إلا أننا انتظرناه..!
كنا نترقب ونحاول أن ننظر أين هو؟؟ اين من رأيناه في الأفلام .. في الكرتون " أين الليث الأبيض.. أين ذلك الزئير الذي يخيف الكل بمافيهم بني البشر.. اين ملك الغابة .. الأسد؟؟ كنا نعيش في حالة من عدم الاهتمام إلا بالمنظر الأخضر والهواء البارد.. ونقول للمرشد .. لا حماسة إلا برؤية ملك الغابة .. استوقفنا فجأة .. نزل وكلنا نحاول أن نفهم هل هو الأسد؟؟ .. ليس هناك حيوان حولنا .. فاذا به يأخذ بيده كرة عليها حشرتين .. حشرة سوداء لا أعرف اسمها لكن ماكانت تقوم به جعلني اقوم سبحان الله " هذه الحشرة الذكر منها يقوم بدحرجة الكرة والأنثى فوقها .. والبيض بالداخل ويتم يدحرجها حتى يصل لمكان يدفن فيه الكره حتى يفقص البيض ويخرجون.. تعاون لم يحمل أي ضغينة أو تنصل من الأدوار..!
وبدأنا جولة البحث مرة أخرى.. وفجأة.. التفتنا يسارا وكان اجمل مارأينا.. انه الأسد .. واللبوات .. يلعبون .. مضينا نحوهم وكلي سؤال كيف نقترب منهم .. هل مانمر به حقيقة .. اننا نقترب من الحيوان الذي لطالما اخافنا ولم نراه يوما إلا من خلال السياج هائجا في غير حماسة ..وهنا هادئ بنظرته التي تخبرك " انا ملك هذا المكان" قال لنا المرشد لم يحصل هذا من قبل أن نرى عددا منهم .. لم يكن ذاك فحسب.. بدأ العدد يزيد.. اصبحوا ثمانية نراهم امامنا .. رؤيا العين ليس يفصلنا إلا متر واحد.. كان الاسد صغيرا في السن بعده .. لكنه نوعا ما هزيل فأذا به قد افترس قبل ذلك جاموسة مريضة أمرضته فسبحان الله .. ليس هناك قوة تفوق الخالق الذي يعز ويذل .. الذي يجعل الملك هينا لينا .. هزيلا.. كنت خائفة من الموقف كيف لنا أن نكون معهم.. هل بالامكان ان تحصل مأساة ؟؟ لم يكن المشهد ليقول ذلك فهم يمشون نحونا ببطء والسيارة تمضي للخلف .. كنت في مقدمة السيارة واراهم في خطين متوازيين يمشون .. لم أشأ ان اشوه المنظر باعتقادات مخيفة .. إلا أنك لا تنكر فأنت في حضرة ملك الغابة .. في حركة مفاجئة منهم انحرفوا جميعا يسارا.. كانت المجموعة تفكر في غيرنا .. في قطيع الزرافات الجميل.. لم نشأ بعد هذه المغامرة أن نرى غير الملك .. بدأنا نتابع مايفعلون دهبنا لتلة كبيرة نراقب من فوق .. وكان من اجمل مارأيت في حياتي.. منظر جسد قدرة الخالق سبحان الله ... من فوق التله .. الأسد ولبواته .. قطيع الزرافات وهو ينظرون اليهم .. ونحن نراقب فأذا بنا نستوعب أن الكل في ترقب وكنا نعتقد أن هجوما سيقع لكن الاسد كان ينظر خلف الزرافات لقطيع الجاموس..! لا أدري مالذي يعجبه فيهم.. فقط الطعم الذيذ.. دخل وحيد القرن وكله ثقة بين الأسد ولبواته .. في محاولة للتحرش به .. وفعلا قام بها .. جلس في نصفهم وهم حوله وهو يدري ان لحمه غير مرغوب به وأنه من القوة التي في حجمه ووزنه مايجعله يعلم أنه قد يغلبهم .. لكن سؤالي .. كيف ايها الوحيد ستقاوم ثمانية .. منهم اللبوات اللواتي يفترسون ويهجمون في حضرة الملك؟؟
ماتعلمته من هذه الطبيعة أننا متى ما احترمنا خصوصية غيرنا فأننا لن نهاجم أو يتعدى علينا.. الأسد لم يهجم علينا .. لم يقترب منا ولم يحاول أن يرينا شجاعته .. فحقيقة قيلت لنا أنه لم يجرب يوما أن يفترس انسانا وقد تكون للحقيقة شواذ.. كان هادئا فهو يعيش في المكان الذي خلق فيه .. دون قيد أو تمرد الأنسان عليه .. بخلاف من نراهم كنا في حديقة الحيوان .. فهو ومن معه احرار لم يلمس حريتهم احد فعاشوا بهدوء وسكينه...وكانت المتعة هنا غير فأنت معهم ضيف واحترمونا كضيوف.. كيف لنا أن لا نتعلم هذا الدرس من هذه المملكة .. لقد خلق الله الجميع ليتعايشوا فيما بينهم وخلق الأدوار وكيفها وجعل الذكر سائدا وأحيانا الأنثى فيما يكون مناسبا لطبيعتهم .. الملك ملك ولكنه أيضا يحتاج للبوة ترعاه.. ليس هناك من يستطيع أن يقول أنه يألف الحياة لوحده .. ففي حركة وحيد القرن لمشاكسة للأسد رغبة من لأضافة جو من الحياة في هذه المملكة الهادئة التي تمتد لألاف الهكترات..
أيها الملك كنت أحبك لكني اليوم احترمك في مملكتك واحترم حسن ضيافتك لنا .. سنشتاق لك وما مررنا به معك وطهورا ان شاء الله..
الاديبةالصغيرة مريم البلوشي 4-12-2011 1:17 مساء.. جنوب أفريقيا