معنى جوامع الكلم بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته المرادُ بجوامِعِ الكَلِم: الاختِصارُ المفيدُ الناطقُ بالحكمة والجامعُ لأطرافِ الموضوعِ. كما قال ابنُ الأثير - رحمه الله -: "الْمُرادُ بذلك أنه أُوتِيَ الكَلِمَ الجوامِعَ للمعاني". [5] وقد استَحسنَ الفصحاءُ جوامِعَ الكَلِم، وقرَّروا أنَّ البلاغة إيجاز. كما قال أبو هلال العسكري - رحمه الله - في كتاب (الصناعتين): "قيل لبعضهم: لم لا تُطيلُ الشِّعر؟ فقال: حَسبُك من القِلادة ما أحاطَ بالعُنق! وقيل ذلك لآخر، فقال: لستُ أبيعُه مُذارَعةً! وقيل للفرزدق: ما صيَّرَك إلى القصائدِالقِصارِ بعد الطِّوال؟ فقال: لأني رأيتُها في الصدورِ أوقعَ، وفي المحافل أجْوَل. وقالت بنتُ الحطيئة لأبيها: ما بالُ قصارِك أكثرَ من طِوالِك؟ فقال: لأنها في الآذان أولج، وبالأفواه أعلق". [6] وقال الأبشيهي - رحمه الله - في (المستطرف من كل فن مستظرف): "قال البحتري: خيرُ الكلامِ ما قلَّ وجلَّ ودلَّ ولم يُمَلَّ". [7] وقال ابنُ أبي الأصبع في تحرير التحبير): "ومما جاء من ذلك في السُّنة قولُه- صلى الله عليه وسلم -: (الحلالُ بَيِّنٌ والحرامُ بَيِّن)، وقوله - عليه السلام -: (لاضررَ ولا ضِرار)...ومن أمثلةِ هذا البابِ الشعرية قول زُهير: وهل يُنبِتُ الخطِّيَّ إلا وَشِيجُه * * * وتُغرَسُ إلا في مَنابتِها النخلُ! وكقول النابغة: ولستَ بِمُستَبقٍ أخاً لا تلُمُّهُ * * * على شَعَثٍ أيُّ الرجالِ المهذَّبُ! وكقول بشار: فعِشْ واحِداً أو صِلْ أخاك فإنه * * * مُقارفُ ذنبٍ مرةً ومُجانِبُهْ! إذا أنت لم تشرَبْ مِراراً على القذَى * * * ظَمئتَ وأيُّ الناسِ تصفو مَشارِبُهْ"! [8] وقد روى البخاري - رحمه الله - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (بُعِثتُ بجوامعِ الكَلِم، ونُصِرتُ بالرُّعب، وبينا أنا نائمٌ أُتِيتُ بمفاتيحِ خزائنِ الأرض؛ فوُضِعَت في يدي)، وفي روايةِ مُسلمٍ - رحمه الله -: (نُصِرتُ بالرُّعْبِ على العدُو، وأُوتِيتُ جوامعَ الكَلِم، وبينما أنا نائمٌ أُتِيتُ بمفاتيحِ خزائنِ الأرض؛ فوُضِعَ في يدي).[9] وفي روايةٍ جامعةٍ لمسلمٍ - رحمه الله - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (فُضِّلتُ على الأنبياء بسِتٍّ: أُعْطِيتُ جوامِعَ الكَلِم، ونُصِرتُبالرُّعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلَت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُرْسِلتُ إلى الخلقِ كافَّة، وخُتِم بي النبيُّون). [10] وقد مثَّل البخاري - رحمه الله - على جوامِعِ الكَلِم بما رواه أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: (بَعثَنِي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ومعاذاً إلى اليمن فقال: ادعُوا الناسَ وبشِّراولا تُنفِّرا ويَسِّرا ولا تُعسِّرا، قال: فقلتُ يا رسولَ الله أفْتِنا في شَرابَيْن كنا نصنَعُهما باليمن: البِتعُ وهو من العسلِ يُنبَذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير يُنبَذُ حتى يشتد. قال: وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد أُعطِيَ جوامِعَ الكَلِم بخواتمه، فقال: أنْهَى عن كلِّ مُسْكِر أسْكَرَ عن الصلاة). [11] فله - صلى الله عليه وسلم - أكرمُ القولِ وأحسَنُه، كما قال شوقي - رحمه الله -: إِنَّ الشَمائِلَ إِن رَقَّت يَكادُ بِها * * * يُغرىالجَمادُ وَيُغرى كُلُّ ذي نَسَمِ يا أَفصَحَ الناطِقينَ الضادَ قاطِبَةً * * * حَديثُكَ الشَهدُ عِندَ الذائِقِ الفَهِمِ حَلَّيتَ مِن عَطَلٍ جِيدَالبَيانِ بِهِ * * * فِي كُلِّ مُنتَثِرٍ في حُسنِ مُنتَظِمِ بِكُلِّ قَولٍ كَريمٍ أَنتَ قائِلُهُ * * * تُحيِي القُلوبَ وَتُحيِي مَيِّتَ الْهِمَمِ وقد كان كلامُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - محفوفاًبالوضوحِ والإعادة التي تساعد على الإبانة، كما ترجَمَ البخاري - رحمه الله - في كتاب (العلم): [باب (من أعاد الحديثَ ثلاثاً لِيُفهَم عنه؛ فقال: (ألا وقولَ الزُّور؛ فما زال يُكرِّرُها). وقال ابنُ عمر: قال النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: (هل بلَّغتُ ثلاثاً؟)]. [12] وروى عن أنس - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: (أنه كان إذا سلَّمَ سَلَّم ثلاثاً، وإذا تكلَّمَ بكلمةٍ أعادَهاثلاثاً). [13] وفي رواية: (أنه كان إذا تكلَّمَ بكلمةٍ أعادَها ثلاثاً حتى تُفهَمَ عنه، وإذا أتى على قومٍ فسَلَّمَ عليهم سَلَّمَ عليهم ثلاثاً). [14] وكلامُهُ فَصلٌ مُبِينٌ نَثْرُهُ * * * يسمُو عُقودَ الدُرِّ والْمَرْجانِ! حُلوُ الكَلامِ إِذا تَكلَّم ناطِقاً * * * فَالحَقُّ مافاهَت بِهِ الشّفَتانِ ما كانَ يسردُ بَل يعدُّ كَلامهُ * * * عَدّاً لِيَعقلهُ ذَوو الأَذهانِ! ورَحِمَ الله الصاحبَ بن عباد ما أحسنَ قولَه : "إذا تكرَّرَ الكلامُ على السمع؛ تقرَّر في القلب". [15] فصلَّى الله على من أُوتِيَ جوامعَ الكلم وروائعَ الكَلِم، قال ابنُ رجب - رحمه الله -: "خصَّهُ بِجَوامعِ الكَلِم؛ فربما جَمعَ أشتاتَ الْحِكَم والعُلومِ في كلمةٍ أو شَطرِكلمةٍ... فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - بعثَ محمداً - صلى الله عليه وسلم- بجوامعِ الكَلِم وخَصَّه ببدائعِ الْحِكَم كما في الصحيحَين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم – قال: (بُعِثْتُ بِجَوامِعِ الكَلِم)". [16] وقد فسَّرَ البخاري - رحمه الله - جوامِعَ الكَلِم بقوله: "بلغَنِي أنَّ جوامِعَ الكَلِم أنَّ الله يجمعُ الأمورَ الكثيرة التي كانت تُكتَبُ في الكُتب قبلَه في الأمرِ الواحدِ والأمرَين أو نحو ذلك". [17] وقال الآثاري - رحمه الله -: قَلَّت مَدائِحُ خَلقِ اللَهِ قاطِبَةً * * * إِلا مَدائِحَهُ جَلَّت من العِظَمِ! كَلامُهُ جاِمِعُ الخَيراتِ كَيفَ وَقَد * * * أُوتِي جَوامعَ فَضلِ اللَهِ في الكِلمِ! يُصَرِّفُ القَولَ بِالمَعروفِ مِنهُ كَما * * * يُؤَلِّفُ اللَفظَ وَالمَعنى مِنَ الحِكَمِ لَفظُ الكِتابِ وَلَفظُ الشارِع اِئتَلَفا * * * كَالشَمسِ وَالبَدرِ في صُبحٍ وَفي ظُلَم يَدعوإِلى الْخَيرِ بِالتكرارِ أُمَّتَهُ * * * وَيَأمُرُ الأهلَ بِالمَعروفِوَالْهِمَمِ الجودُ وَالْحُسنُ وَالخَيراتُ قَد جُمِعَت * * * فيهِ مَع اللُطفِ وَالإحسانِ وَالْهِمَمِ وقَد تَقسَّمَ فيهِ الفَضلُ أَجْمَعُهُ * * * ذاتاً وَمَعنًى وَأفعالاً مَع الكَلِمِ! فجَوامِعُ الكَلِمِ لا تُقتَصَرُعلى اختِصارِ المعاني الكثيرةِ والفوائدِ الغزيرةِ في الألفاظِ القليلة، بل تشمَلُ كذلك محاسِنَ الافتِتاحِ والختام، كما قال ابنُ رجب - رحمه الله -: "خرَّجَ الإمامُ أحمد - رحمه الله - من حديثِ عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: خرجَ علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يوما كالمودِّعِ فقال: أنا محمد النبِيُّ الأُمِّي،قال ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ ولا نبِيَّ بعدي: أُوتِيتُ فواتِحَ الكَلِم وخواتِمَه وجوامِعَه)، وذكر الحديث، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. |