في إحدى الليالي المقمرة وفي أواخر ساعات من الليل ...هناك ...بين ألوف الشرفات المعتمة والتي سكن أهلها إلى النوم ...شرفة انبعث منها نور خافت وكأنه انعكاس لشعاع القمر ....في تلك الشرفة الحزينة ..جلس رجل في الثلاثين من عمره ...لوحت أشعة الشمس بشرته الناعمة فزادت من اسمرارها وبريقها ...كل شيء فيه يوحي بالثقة والرجولة ..خطوط وجهه الواضحة ..جسمه المصقول ..وعضلاته البارزة ..كان جسده المسترخي غائرا بشكل واضح في الكرسي الخشبي الكبير ... وقبضة يده مشدودة بقوة على مسند الكرسي ..كانت عيناه معلقتان في اللاشيء وكأنه ليس في الدنيا ...كان يفكر في حبيبته التي فارقته و فارقت عالمها الصغير ...تراءت له صورتها في الأفق المظلم البعيد وكأنها قمر يضيء عالمه ...
قال وهو يتذكر أيام الماضي :حبيبتي ..يا تهمتي الجميلة ..يا عمري ... أفكر في الأيام التي مضت قريبا ..كنا فيها لانطيق البعاد ...إذا غبت عني اشتقت إليك ... وإذا لم ترينني فانك تتحولين إلى متوترة وعصبية ..لاتطيقين من تعيشين معهم ...ولا تلذ لك الحياة ....
كنا لا نكاد نفترق ...وإذا افترقنا طويلا ثم التقينا ألاحظ عليك التوتر من شيء غير محدد كأنك تخافين أن يسرقني منك احد ..أو أن أحب غيرك ...
يا حبيبتي .. يتردد في هذه اللحظة صوتك من الأعماق ..أسمعك عندما كنت تنادينني وتقولين لي
((حبيبي ..يا سيدي..لماذا يخاف الناس و يعتقدون ان زمان الحب قصير ؟ أنا عندما وجدتك أحببت الحياة من جديد ..كرهت أن أموت و قد كنت في غربتك بعيدا عني ... أغازل الموت ... فالحياة كانت بدونك تهب فيها الريح باهتة لا طعم لها ..ولا لون ..و عندما أصبحت أحلامنا واقعا ولمست في أعماقي حبي لك ...لم اكره الحياة ..ولكني صرت أخاف ان أفقدك ..ولذلك تمنيت الموت أيضا حتى لا اشهد لحظة تودعني فيها ..او .. حتى لا يقف الملل حائلا بين نبضي ونبضك وتسام مني ..ان حلمي كله تجمع دفعة واحدة ..في رغبة كبيرة عندي وهي أن أموت فورا بعد أن وجدتك وارتاحت عيناي في عينيك ..وبعد أن ملاني حبك فرحا و حياة .. وان يكون موتي هو استراحة راسي على صدرك واغماضة عيني على وجهك ...واحتواء برودة موتي في دفء كفيك .))
الليل قد أتى يا حبيبتي .. وبعد أن ملأني حبك حياة .. تحقق حلمك أنت ..هل مت بالفعل ؟؟؟؟ وكيف ؟؟؟ أكاد لا اصدق .. فهنا عطرك ..هنا بقايا ضحكاتك الطفولية .. هنا على شفاهي بقايا سكر شفتيك .. هنا على كتفي بقايا لمساتك .. هنا في أذني بقايا أنفاسك اللاهثة وهي تصرخ باسمي .هنا على صدري بقايا خفقات قلبك الدافئ الذي احتواني بكل ما املك من لا مبالاة ..وعصبية ...و سخرية .. وظمأ... و طفولة .. وعدم القدرة على اتخاذ القرار .. هنا في ركن الكنبة الذي أتذكره الآن وفي ذلك المنزل الذي اعتاد أن يحتوينا .. أراك في جلستك المعتادة الطفولية ..في حركتك الدائمة التي لا تهدأ .. ولكني أرى مقعد الكنبة غائرا .. كأنه حفرة عميقة لن تسمح لأحد غيرك أن يجلس فيها
عندما تأكد حبك لي عندي رحلت ..عندما تأكد عندك حبي لك رحلت . لماذا نفقد ما نريد في لحظة اكتشافنا لحاجتنا إليه؟؟
لا اصدق موتك المفاجئ هذا مثلما كنت لا اصدق أن حبك لي هو بهذا العمق و الصدق ... هل تذكرين استفزازي لك الدائم حين كنت تسالين مازحة أو مشككة فتقولين :
((لو اختطفني الموت منك فجأة .. ماذا ستفعل هل تبكي علي ..هل تحزن فوق الحزن نفسه وكيف ستطيق الحياة بعدي ))
كنت أصغي إليك والى سؤالك الذي أصفه مثلك بالجنون .. وأقهقه متقصدا استفزازك ثم أجيبك بنبرة غير مبالية :
ولماذا ابكي عليك ؟؟ قد يعتريني الحزن لمدة دقائق ولكني بعد ذلك سأعيش حياتي المعتادة .. اخرج والبس وألبي الدعوات ..والتقي بهذه وتلك . وأتابع مغامراتي .
ولكن الحقيقة كانت غير ذلك تماما .. كنت أحس بحزن يفيض من عينيك دون أن تتكلمي .. ثم ما البث أن أشدك إلي و أحتويك والجأ إليك مطمئنا كعصفور التجأ إلى عشه من الريح و المطر ...
ترى الذي كان بيننا مجرد حلم .. ليته كان كذلك شرط أن ينتهي دون موت . الآن يأسرني هذا الليل ويأخذني إلى ضفاف ممتدة نحو اللامدى .. فأراك هذه اللحظة كيانا مجسدا يبعث الحياة في أيامي وعمري ..ترتعش أصابع يدي ... يشتعل كفي وأنا أحس بدفء كفيك اللذان داما طويلا غطاء لكفي .. ووشاحا يدفئ قلبي .... أزيح ستارة غرفتي لأرى الليل وشاحا اكبر من السواد يجلل زمني .. أحدق في البعيد .. في هذا القمر الدافئ الذي طالما وقفنا تحته أوقات كثيرة ..إذ به الآن يصبح قمرا ثلجيا شديد البياض .. شديد البرودة في رحيلك ..
أول مرة التقيتني فيها .. كنت سندريلا التي تبحث عن عصر جديد .. عن مملكة تقف في حديقتها وهي تملك كل شيء ..حتى الأحلام ... لم يكن حبك لي حلما بل حقيقة اسميها أنا حلما ...
حاولت أن افرغ حزني في الموسيقى ..في التكلم مع النجوم ..مع القمر ..في الخروج مع هذه وتلك ..في السخرية من التناقضات وحتى من نفسي عندما أكون وحدي ..كان كل ذلك موتا باردا ..بينما كنت أفتش عن الموت الذي يبعث الحياة .. كالموت في حب غامر .. الموت فيك مثلا حتى آخر خفقة ..
اضطربت ..اكتشفت أني أريدك وحدك بعد كل ذلك الركض .. وانك لا بد أن تريديني وحدي ..لان هذا هو الموت الذي يصنع الحياة والأحلام والأماني والمعاني ... وحين أتيت أنت انبعث في حياتي < ذلك الأمل > الذي يضيء ويشعل أحلامي ..لا بل أحلامنا أنت وأنا .. لقد وجدتك وأنت في الرمق الأخير ..عثرت عليك تموتين أنت الأخرى بالاعتياد وتموتين بالضياع ..وتموتين باليأس .. دون العثور علي . وفي تلك الليلة بالذات ..سألتني لأول مرة :
((لماذا تأخرت كثيرا ؟؟))
أجبتك : لانك انت أيضا بعدت عني كثيرا .. ولم تحاولي أن تنادينني مباشرة دون أي وسائط بيننا .فقلت لي :
((لقد كان ذلك ابتعاد اليأس .. كنت أخاف أن تصدَني إن ناديتك مباشرة وقلت لك أني أحبك حتى الموت ..ففضلت الهروب دائما من المواجهة.))
سألتك : والآن ؟؟؟ أجبتني :
((أما الآن فدعنا نبني بالليل جدارا يصد الفراق .. دعنا نغرس بذرة حبنا الأقوى في حقل لا ينبت فيه إلا وجهك ووجهي ..دعنا لا نفترق))
أسرني حينها الصمت كأني أفكر في الغد ..كأني مازلت أخاف من الفراق ..كأني لم أتأكد بعد من حبك لي ..كأني لا اضمن المجهول الذي نريد أن نجعله واقعا جميلا ..ضوءا لحياتنا معا ..فكيف نفترق يا عمري ؟؟؟؟ هل تذكرين عندما قلت لك :
أرجوك أن لا تموتي الآن .. إذا كنت ستموتين .. فاجلي موتك إلى الوقت الذي أكرهك فيه ..
فمن قال لك أني كرهتك ؟؟؟؟
قلت لي ((أعدكَ بان لا أموت وأنت تعدني أن لا تكرهني . ))
لكنكِ يا للأسف ..لم تفي بوعدكِ ..أنت متِ .. وتركتيني أقاسي بعدكِ عني .
انتهت 
القصة قراتها في احدى المجلات لا اذكر اسمها من اكثر من عشر سنوات واحببتها جدا فكتبتها على الكمبيوتر
واحببت ان اعرضها اليوم
راجية ان تكون قد راقت لكم