وفي اليوم التالي، قصد المفتش جون منزل الآنسة سارة، فجذب انتباهه وجود رجل عجوز، منحني الظهر والركبتين،
بدت جلية على وجهه تجاعيد الكبر، واشتعل رأسه شيباً، كان يقلم بعض الأعشاب والشجر.
اقترب منه المفتش جون قائلاً:
- أسعدت صباحا سيد لانسون
- من أنت؟ أنا لا أعرفك، ومن سمح لك بالدخول؟ اخرج من هنا...ووضع يده على كتف المفتش محاولا إبعاده.
قال وهو يريه بطاقة الهوية:
- أنا المفتش جون وأنا هنا لأطرح عليك بعض الأسئلة.
- آسف حضرة المفتش.
- لا عليك، فأنا أتفهم موقفك، فأنت مكلف بالحفاظ على ممتلكات المنزل، ولكن دعني أسألك هذا السؤال عن حادثة أمس.
- نعم لقد أخبرتني الآنسة سارة عن ذلك.
- إذا أين كنت وقتها ؟! أقصد يوم الثلاثاء المنصرم طبعا
- آه، لقد كان يوما قاسيا لم يغمض لي فيه جفن ولم أذق فيه طعم النوم، فأذني المرهفة لم تستطع مقاومة سماع تلك الأصوات الصاخبة.
- أي أصوات؟ أتقصد حفيف الشجر؟
تعالت ضحكات العجوز فملأت الأرجاء ثم أردف قائلا:
- أعمل كبستاني منذ أكثر من ست وثلاثين سنة، واستطيع التمييز جيدا بين أصوات أغصان الشجر وأقدام البشر، لقد رأيتهم، نعم رأيتهم، كانوا غربانا سودا أخفى نعيقهم عويل الرياح، وحفيف أغصان الشجر، والطرقات المتتابعة للنوافذ والأبواب، لم يظهروا إلا تلك الليلة، ثم أعلنوا انسحابهم مع بزوغ أول خيط نور، وبتلاشيهم تمكنت من إغماض جفني، والخلود في نوم عميق، لم أصحو منه إلا في ظهيرة اليوم التالي.
- ومن هي تلك الغربان؟!
- الغربان؟ نعم الغربان، ألا تعرفها حضرة المفتش؟ إنها طيور سوداء اللون اقترن اسمها بالتشاؤم.
- نعم أعرفها لكنك ذكرتها....لا عليك
ثم تذكر ما قالته الآنسة سارة عن لانسون بأنه عجوز خرف لا يعي ما يقول، فقرر الذهاب لرؤية الخادمة صوفي
ليطرح عليها بعض الأسئلة.
وفي غرفة الجلوس رحبت به الخادمة صوفي، وقدمت له بعض الشاي، ثم جلست على أريكة قرب المدفأة قائلة:
- لقد علمت من الآنسة سارة عن وفاة خطيبها في الوقت الذي كنت فيه غائبة عن المنزل، ولا بد بأنك هنا بشأن هذا الأمر سيدي.
فأجابها قائلا:
- ولماذا صادف رحيلك عن المنزل موت السيد سيمون؟
أجابت فزعة:
- ماذا تقصد سيدي؟ كان سفري مفاجأة لي.
- كيف ذلك؟
- كنت كالعادة منشغلة بتأدية الواجبات المنزلية وإذا بالآنسة سارة تقول لي:لا بد بأنك في شوق لرؤية ابنتك روزا، أليس كذلك؟ فأجبتها: نعم، شوقي لها يزداد يوما بعد يوم، فقالت: إذا ما رأيك بالذهاب لرؤيتها؟، قلت: اليوم؟ فأردفت قائلة: نعم اليوم وهذه هي تذكرة القطار، وهذا ما دار بيني وبينها بالضبط.
فرد عليها المفتش قائلا:
- حسنا، صوفي ما الذي تعرفينه عن لانسون؟!
- لانسون! إنه عجوز طيب القلب، ولكنه يمتاز بعادة سيئة، وهي أنه ينسى ما يقوله بسرعة، كما أنه غالبا ما يتحدث بكلام مبهم يصعب علي فهمه.
- هل تقصدين بأنه خرف؟
- لا أبداً، ولكنه عجوز غامض، يحب الوحدة، يبدو عليه الحزن دائماً، وقد رأيته مرات عدة والدموع تنهمر من عينيه، وحزنه هذا يشتد في الرابع من حزيران من كل سنة! كما أنه قليل الضحك، قليل التبسم، أتعلم حضرة المفتش؟ كان لانسون يعمل هنا في هذا المنزل قبل قدومي للعمل فيه.
ثم أخذت تراقب المفتش وهو يضع كوب الشاي على منضدة قرب الأريكة ثم تابعت:
- ولكن الغريب في الموضوع هو أن لانسون كان ينام في غرفة من غرف المنزل، ولم تكن تلك الغرفة الخشبية موجودة أصلا، وكان كبار السن من رجال ونساء يأتون لزيارة العجوز بين الحين والآخر، وبطبيعة عملي كنت أقدم لهم الشاي والقهوة، وكانت أذني تلتقط بعض ما يقولون.
- وما الذي كانوا يقولونه؟
أخفضت صوتها وهي تقول:
- بعضهم كان يقول بأن لانسون هو في الأصل والد الآنسة سارة سيدي، ولكن أصدقاء الآنسة عرفوا لانسون على أنه بستاني فقير فقد جميع أفراد أسرته، فأشفقت عليه الآنسة ووظفته كبستاني عندها على الرغم من عدم حاجتها إليه، فهي لا تهتم بما تحتاجه حديقة منزلها من أعمال زراعية.
ظهرت على وجه المفتش جون علامات التعجب والاستغراب وقال:
- أرجوكِ تابعي، كيف آل مصير لانسون إلى تلك الغرفة الخشبية؟
- عندما علمت الآنسة سارة بما يقوله أصدقاء السيد لانسون غضبت منه كثيرا وأمرت بقطع الزيارات عنه، كما أنها أمرت ببناء تلك الغرفة الخشبية في الحديقة ليقطن فيها لانسون.
- وهل فكرتِ مرة بمواجهة لانسون بتلك الأقاويل؟
- نعم ولكنه نفى كونه والدها، وقال بأنه يعتبرها كابنته تماما.
ثم سمعا طرقات على باب المنزل فقالت صوفي:
- عذرا سيدي، سوف أذهب لرؤية من بالباب.
ثم هرعت إلى الباب لفتحه، وإذا بالآنسة سارة، فرحبت بها وأخبرتها بوجود المفتش، ثم انصرفت لقضاء بعض
الأعمال المنزلية، أما سارة فقد توجهت على الفور لغرفة الجلوس، وهناك رحبت بالمفتش وبادرته قائلة:
- آسفة لتأخري حضرة المفتش، لكنك لم تعلمني بقدومك.
- لا عليكِ، أمضيت بعض الوقت في تناول الشاي مع صوفي وبعضه الآخر في الحديث مع لانسون.
ظهرت علامات الرعب في عيني الآنسة سارة والتي لم يصعب على مفتش مثل جون ملاحظتها وقالت:
- أرجو أن يكون ما جمعته منهما كافيا.
فأجاب:
- لا لم يكن وافياً بالغرض.
تنهدت ثم حاولت إيزال خصلة كانت تداعب وجنتيها الحمراوتين. فلفت انتباه المفتش خاتم كانت تلبسه في إصبعها،
فبادرها بالسؤال قائلا:
- أما زلت تضعينه؟
- وما هو؟
- الخاتم.
فألقت نظرها عليه ثم قالت:
- نعم، لقد تعاهدنا على أن نحافظ عليه حتى ولو أصاب أحداً منا مكروه، ولازلت أحاول أن أفي بهذا العهد، لابد بأنك رأيت الخاتم في إصبع سيمون ولذلك تسأل عنه.
رجع بذاكرته مباشرة إلى مسرح الجريمة ثم بادرها مستفسرا:
- وهل كان سيمون يضعه على الدوام في إصبعه؟
- أجل.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، ثم قال:
- لابد من تفتيش المنزل الآن، وهذا إذن للقيام بذلك، فأرجو السماح لي
- هل توصلت إلى شيء سيدي؟
- ستعرفين لاحقا آنستي، هناك مجموعة من ضباط الشرطة تنتظر في الخارج، أرجو السماح لهم بالدخول فورا.
انتظروا الجزء الخامس والأخير قريبا بإذن الله ~
إلى ذلك الحين ،، أجيبوا عن هذا السؤال :- بعد أن اكتملت الشخصيات ،، من هو المجرم باعتقادكم ؟!