استجمـام يعين على مواصلـة السيـر 
من المعلوم أن في الشريعة سَعة وفُسحة ، تعين العبد على الاستمرار في عبادته وعطائه وعمله الصالح . فرسولنا صلى الله عليه وسلم كان يضحك]وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى[[ النجم : 43 ] ، وكان يمزح ولا يقول إلا حقاً ، وسابَق عائشة رضي الله عنها وأرضاها ، وكان يتخوَّل الصحابة بالموعظة ، كراهيةَ السَّآمة عليهم ، وكان ينهى عن التعمق والتكلف الشديد ، ويُخبر أنه لن يُشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه ! وفي الحديث أن الدين متين ، فأوغِلوا فيه برفق . وفي الحديث أيضاً أنّ لكل عابدٍ شِرَّة ، وهي الشدة والضراوة والاندفاع ، ولا يلبث المتكلف إلا أن ينقطع ؛ لأنه نظر إلى الحالة الراهنة ونسي الطوارئ وطُول المدة وملالة النفس ! وإلا فالعاقل له حدٌّ أدنى في العمل يداوم عليه ، فإن نشط زاد ، وإن ضعف بقي على أصله ، وهذا معنى الأثر من كلام بعض الصحابة رضوان الله عليهم : إنّ للنفوس إقبالاً وإدباراً ، فاغتنموها عند إقبالها ، وذروها عند إدبارها . وما رأيت نفراً زادوا في الكيل ، وأكثروا من النوافل ، وحاولوا أن يُغالوا ، إلا انقطعوا وعادوا أضعف مما كانوا قبل البداية !
والدين أصلاً جاء للإسعاد]مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى[[ طه : 2 ] . وقد لام الله قوماً كلّفوا أنفسهم فوق الطاقة ، ثم انسحبوا من أرض الواقع ناكثين ما ألزموا أنفسهم به]وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا[[ الحديد : 27 ] . وميزةُ الإسلام على سائر الأديان أنه دين فطرة ، وأنه وسط ، وأنه للروح والبدن ، والدنيا والآخرة ، وأنه مُيسر]ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[ .
لابد للنفوس من الاستجمام .. فهناك لحظات غُمة كما هي هناك لحظات همة ! فلابد لابد من الاستجمام .. |
*
*
*
الـمـنـهـج الـوســط

]وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا[[ البقرة : 143 ] .
السعادة في الوسط ، فلا غُلُوّ ولا جفاء ، ولا إفراط ولا تفريط ، وإن الوسطية منهج رباني حميد يمنع العبد من الحَيف إلى أحد الطرفين . إن من خصائص الإسلام أنه دينُ وسط ، فهو وسط بين اليهودية والنصرانية : اليهودية التي حملت العلم وألغت العمل ، والنصرانية التي غالت في العبادة واطَّرحتِ الدليل ، فجاء الإسلام بالعلم والعمل ، والروح والجسد ، والعقل والنقل !
وإن مما يسعدُك في حياتك الوسطية في عبادتك : فلا تغلُ فتنهك جسمك وتقضي على نشاطك ومداومتك ، ولا تجفُ فتطرح النوافل وتخدش الفرائض وتركن إلى التسويف . وفي إنفاقِك : فلا تتلف أموالك وتهلك دخلك ، فتبقى حسيراً مُملقاً ، ولا تمسك عطاءَك وتبخل بنوالك ، فتبقى ملوماً محروماً . ووسطٌ في خلقِك : بين الجد المفرط واللين المتداعي ، بين العبوس الكالح والضحك المتهافت ، بين العزلة الموحشة والخلطة الزائدة على الحد .
إنه منهج الاعتدال في أخذ الأمور ، والحكم على الأشياء ، ومعاملة الآخرين ، فلا زيادةَ يطفو بها كيلُ القيم ولا نقص يضمحلُّ به أصل الخير ؛ لأن الزيادة ترفٌ وسرفٌ ، والنقص جفاءٌ وإحفاءٌ :]فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[[ البقرة : 213 ] .
إن الحسنة بين السيئتين : سيئة الإفراط وسيئة التفريط !
وإن الخير بين الشرين : شر الغلو وشر المجافاة !
وإن الحق بين الباطلين : باطل الزيادة وباطل النقص !
وإن السعادة بين الشقاءين : شقاء التهور وشقاء النكوص !
ما أعظمهُ من دين .. وما أسعدنا بأن مَن علينا الرب الرحيم ، بأن جعلنا من عبادهـ المسلمين .. |
*
*
*
قطفة من كتاب [ لا تحزن ! ]
مخرج ..
قال رسول الله صلى الله عليه وآلـه وسلم :
" طوبى لمَن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا "
رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني .