يقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ الآية ; فهذه الآية الكريمة أوجبت الوضوء للصلاة , وبينت الأعضاء التي يجب غسلها أو مسحها في الوضوء , وحددت مواقع الوضوء منها , ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم صفة الوضوء بقوله وبفعله بيانا كافيا . اعلم أيها المسلم ! أن للوضوء شروطا وفروضا وسننا , فالشروط والفروض لا بد منها حسب الإمكان ; ليكون الوضوء صحيحا , وأما السنن ; فهي مكملات الوضوء , وفيها زيادة أجر , وتركها لا يمنع صحة الوضوء :
فالشروط هي : - الإسلام , والعقل , والتمييز , والنية ; فلا يصح الوضوء من كافر , ولا من مجنون , ولا من صغير لا يميزه , ولا ممن لم ينو الوضوء ; بأن نوى تبردا , أو غسل أعضاءه ليزيل عنها نجاسة أو وسخا . - ويشترط للوضوء أيضا أن يكون الماء طهورا, فإن كان نجسا ; لم يجزئه . ويشترط للوضوء أيضا أن يكون الماء مباحا , فإن كان مغصوبا أو تحصل عليه بغير طريق شرعي ; لم يصح الوضوء به . - وكذلك يشترط للوضوء أن يسبقه استنجاء أو استجمار - ويشترط للوضوء أيضا إزالة ما يمنع وصول الماء إلى الجلد ; فلا بد للمتوضئ أن يزيل ما على أعضاء الوضوء من طين أو عجين أو شمع أو وسخ متراكم أو أصباغ سميكة ; ليجري الماء على جلد العضو مباشرة من غير حائل .
وأما فروض الوضوء - وهي أعضاؤه - ; فهي ستة : أحدها : غسل الوجه بكامله , ومنه المضمضة والاستنشاق , فمن غسل وجهه وترك المضمضة والاستنشاق أو أحدهما ; لم يصح وضوءه , لأن الفم والأنف من الوجه , والله تعالى يقول : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فأمر بغسل الوجه كله , فمن ترك شيئا منه ; لم يكن ممتثلا أمر الله تعالى , والنبي صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق . الثاني : غسل اليدين مع المرفقين , لقوله تعالى : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ أي : مع المرافق ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدار الماء على مرفقيه , وفي حديث آخر : غسل يديه حتى أشرع في العضد مما يدل على دخول المرفقين في المغسول . والثالث : مسح الرأس كله , ومنه الأذنان ; لقوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وقال صلى الله عليه وسلم : الأذنان من الرأس رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما ; فلا يجزئ مسح بعض الرأس. والرابع : غسل الرجلين مع الكعبين , لقوله تعالى : وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ و ( إلى ) بمعنى ( مع ) , وذلك للأحاديث الواردة في صفة الوضوء ; فإنها تدل على دخول الكعبين في المغسول . والخامس : الترتيب ; بأن يغسل الوجه أولا , ثم اليدين , ثم يمسح الرأس , ثم يغسل رجليه ; لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ والنبي صلى الله عليه وسلم رتب الوضوء على هذه الكيفية , وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به رواه أبو داود وغيره . السادس : الموالاة , وهي أن يكون غسل الأعضاء المذكورة متواليا , بحيث لا يفصل بين غسل عضو وغسل العضو الذي قبله , بل يتابع غسل الأعضاء الواحد تلو الآخر حسب الإمكان . هذه فروض الوضوء التي لا بد منها فيه على وفق ما ذكره الله في كتابه .
وقد اختلف العلماء في حكم التسمية في ابتداء الوضوء هل هي واجبة أو سنة ؟فهي عند الجميع مشروعة , ولا ينبغي تركها , وصفتها أن يقول : بسم الله , وإن زاد : الرحمن الرحيم , فلا بأس . والحكمة - والله أعلم - في اختصاص هذه الأعضاء الأربعة بالوضوء , لأنها أسرع ما يتحرك من البدن , لاكتساب الذنوب , فكان في تطهير ظاهرها تنبيه على تطهير باطنها , وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم كلما غسل عضوا منها ; حط عنه كل خطيئة أصابها بذلك العضو , وأنها تخرج خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء . ثم أرشد صلى الله عليه وسلم بعد غسل هذه الأعضاء إلى تجديد الإيمان بالشهادتين , إشارة إلى الجمع بين الطهارتين الحسية والمعنوية . فالحسية تكون بالماء على الصفة التي بينها الله في كتابه من غسل هذه الأعضاء , والمعنوية تكون بالشهادتين اللتين تطهران من الشرك . وقد قال تعالى في آخر آية الوضوء : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وهكذا - أيها المسلم - شرع الله لك الوضوء ; ليطهرك به من خطاياك , وليتم به نعمته عليك . وتأمل افتتاح آية الوضوء بهذا النداء الكريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فقد وجه سبحانه الخطاب إلى من يتصف بالإيمان ; لأنه هو الذي يصغي لأوامر الله , وينتفع بها , ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن
وما زاد عما ذكر في صفة الوضوء ; فهو مستحب : من فعله ; فله زيادة أجر , ومن تركه ; فلا حرج عليه , ومن ثم سمى الفقهاء تلك الأفعال : سنن الوضوء أي : مستحباته ;
فسنن الوضوء هي :أولا : السواك , وتقدم بيان فضيلته وكيفيته , ومحله عند المضمضة , ليحصل به والمضمضة تنظيف الفم لاستقبال العبادة والتهيؤ لتلاوة القرآن ومناجاة الله عز وجل .
ثانياً : غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء قبل غسل الوجه ; لورود الأحاديث به , ولأن اليدين آلة نقل الماء إلى الأعضاء , ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء . ثالثاً : البداءة بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه ; لورود البداءة بهما في الأحاديث , ويبالغ فيها إن كان غير صائم , ومعنى المبالغة في المضمضة : إدارة الماء في جميع فمه , وفي الاستنشاق : جذب الماء إلى أقصى أنفه . رابعاً : ومن سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة بالماء حتى يبلغ داخلها , وتخليل أصابع اليدين والرجلين . خامساً : التيامن , وهو البدء باليمنى من اليدين والرجلين قبل اليسرى . سادساً : الزيادة على الغسلة الواحدة إلى ثلاث غسلات في غسل الوجه واليدين والرجلين.
هذه شروط الوضوء وفروضه وسننه , يجدر بك أن تتعلمها وتحرص على تطبيقها في كل وضوء , ليكون وضوءك مستكملا للصفة المشروعة , لتحوز على الثواب . ونسأل الله لنا ولك المزيد من العلم النافع والعمل الصالح .
بعد أن عرفت شرائط الوضوء وفرائضه وسننه على ما سبق بيانه , كأنك تطلعت إلى بيان صفة الوضوء التي تطبق فيها تلك الأحكام , وهي صفة الوضوء الكامل المشتمل على الفروض والسنن مستوحاة من نصوص الشرع ; لتعمل على تطبيقها إن شاء الله ; فصفة الوضوء : - أن ينوي الوضوء لما يشرع له الوضوء من صلاة ونحوها . - ثم يقول : بسم الله . - ثم يغسل كفيه ثلاث مرات . - ثم يتمضمض ثلاث مرات , ويستنشق ثلاث مرات , وينثر الماء من أنفه بيساره . - ويغسل وجهه ثلاث مرات , وحد الوجه طولا من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحيين والذقن , واللحيان عظمان في أسفل الوجه : أحدهما من جهة اليمين , والثاني من جهة اليسار , والذقن مجمعهما , وشعر اللحية من الوجه ; فيجب عسله , ولو طال , فإن كانت اللحية خفيفة الشعر ; وجب غسل باطنها وظاهرها , وإن كانت كثيفة ( أي : ساترة للجلد ) ; وجب غسل ظاهرها , ويستحب تخليل باطنها كما تقدم , وحد الوجه عرضا من الأذن إلى الأذن , والأذنان من الرأس ; فيمسحان معه كما تقدم . - ثم يغسل يديه مع المرفقين ثلاث مرات , وحد اليد هنا : من رءوس الأصابع مع الأظافر إلى أول العضد , ولا بد أن يزيل ما علق باليدين قبل الغسل من عجين وطين وصبغ كثيف على الأظافر حتى يتبلغ بماء الوضوء . - ثم يمسح كل رأسه وأذنيه مرة واحدة بماء جديد غير البلل الباقي من غسل يديه , وصفة مسح الرأس أن يضع يديه مبلولتين بالماء على مقدم رأسه , ويمرهما إلى قفاه , ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه , ثم يدخل أصبعيه السبابتين في خرقي أذنيه , ويمسح ظاهرهما بإبهاميه .
- ثم يغسل رجليه ثلاث مرات مع الكعبين , والكعبان : هما العظمان الناتئان في أسفل الساق . ومن كان مقطوع اليد أو الرجل ; فإنه يغسل ما بقي من الذراع أو الرجل , فإن قطع من مفصل المرفق ; غسل رأس العضد , وإن قطع من الكعب , غسل طرف الساق ; لقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر ; فأتوا منه ما استطعتم فإذا غسل بقية المفروض ; فقد أتى بما استطاع . ثم بعد الفراغ من الوضوء على الصفة التي ذكرنا , يرفع بصره إلى السماء , ويقول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية في هذه الحالة , ومن ذلك : أشهد لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله , اللهم اجعلني من التوابين , واجعلني من المتطهرين , سبحانك اللهم وبحمدك , أشهد أن لا إله إلا أنت , أستغفرك وأتوب إليك والمناسبة في الإتيان بهذا الذكر والدعاء بعد الوضوء : أنه لما كان الوضوء طهارة للظاهر ; ناسب ذكر طهارة الباطن ; بالتوحيد والتوبة , وهما أعظم المطهرات , فإذا اجتمع له الطهوران ; طهور الظاهر بالوضوء , وطهور الباطن بالتوحيد والتوبة ; صلح للدخول على الله , والوقوف بين يديه , ومناجاته . ولا بأس أن ينشف المتوضئ أعضاءه من ماء الوضوء بمسحه بخرقة ونحوها . ثم اعلم أيها المسلم : أنه يجب إسباغ الوضوء وهو إتمامه باستكمال الأعضاء وتعميم كل عضو بالماء , ولا يترك منه شيئا لم يصبه الماء : فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ترك موضع ظفر على قدمه ; فقال له : ارجع , فأحسن وضوءك وعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ; أنه رأى رجلا يصلي وفي بعض قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء ; فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة , وقال صلى الله عليه وسلم : ويل للأعقاب من النار وذلك لأنه قد يحصل التساهل في تعاهدهما ; فلا يصل إليهما الماء , أو تبقى فيهما بقية لا يعمها الماء ; فيعذبان بالنار بسبب ذلك . وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره : إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ; فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين , ثم يمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم اعلم أيها المسلم أنه ليس معنى إسباغ الوضوء كثرة صب الماء , بل معناه تعميم العضو بجريان الماء عليه كله , وأما كثرة صب الماء ; فهذا إسراف منهي عنه , بل قد يكثر صب الماء ولا يتطهر الطهارة الواجبة , وإذا حصل إسباغ الوضوء مع تقليل الماء , فهذا هو المشروع : فقد ثبت في " الصحيحين " ; أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد . ونهى صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في الماء ; فقد مر صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ ; فقال : ما هذا السرف ؟ , فقال : أفي الوضوء إسراف ؟ ! فقال : نعم , ولو كنت على نهر جار رواه أحمد وابن ماجه , وله شواهد , والسرف ضد القصد . وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يكون في أمته من يتعدى في الطهور , وقال ; إن للوضوء شيطانا يقال له : الولهان ; فاتقوا وسواس الماء والسرف في صب الماء - مع أنه يضيع الماء من غير فائدة - يوقع في مفاسد أخرى : منها : أنه قد يعتمد على كثرة الماء ; فلا يتعاهد وصول الماء إلى أعضائه ; فربما تبقى بقية لم يصلها الماء , ولا يدري عنها , فيبقى وضوؤه ناقصا , فيصلي بغير طهارة . ومنها : الخوف عليه من الغلو في العبادة ; فإن الوضوء عبادة , والعبادة إذا دخلها الغلو ; فسدت . ومنها : أنه قد يحدث له الوسواس في الطهارة بسبب الإسراف في صب الماء . والخير كله في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم , وشر الأمور محدثاتها , وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه . فعليك أيها المسلم بالحرص على أن يكون وضوءك وجميع عباداتك على الوجه المشروع , من غير إفراط ولا تفريط ; فكلا طرفي الأمور ذميم , وخير الأمور أوسطها , والمتساهل في العبادة ينتقصها , والغالي فيها يزيد عليها ما ليس منها , والمستن فيها بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يوفيها حقها . اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه , وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولا تجعله ملتبسا علينا ; فنضل .
إن ديننا دين يسر لا دين مشقة وحرج , يضع لكل حالة ما يناسبها من الأحكام مما به تتحقق المصلحة وتنتفي المشقة , ومن ذلك ما شرعه الله في حالة الوضوء , إذا كان على شيء من أعضاء المتوضئ حائل يشق نزعه ويحتاج إلى بقائه : إما لوقاية الرجلين كالخفين ونحوهما , أو لوقاية الرأس كالعمامة , وإما لوقاية جرح ونحوه كالجبيرة ونحوها ; فإن الشارع رخص للمتوضئ أن يمسح على هذه الحوائل , ويكتفي بذلك عن نزعها وغسل ما تحتها ; تخفيفا منه سبحانه وتعالى على عباده , ودفعا للحرج عنهم .
فأما مسح الخفين أو ما يقوم مقامهما من الجوربين والاكتفاء به عن غسل الرجلين ; فهو ثابت بالأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة في مسحه صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر , وأمره بذلك , وترخيصه فيه . قال الحسن : حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين وقال النووي : روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة وقال الإمام أحمد : ليس في نفسي من المسح شيء , فيه أربعون حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن المبارك وغيره : ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف , هو جائز ونقل ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه , واتفق عليه أهل السنة والجماعة ; بخلاف المبتدعة الذين لا يرون جوازه . وحكم المسح على الخفين : أنه رخصة , فعله أفضل من نزع الخفين وغسل الرجلين ; أخذا برخصة الله عز وجل , واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم , ومخالفة للمبتدعة , والمسح يرفع الحدث عما تحت الممسوح , وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلف ضد حاله التي عليها قدره , بل إن كانتا في الخفين ; مسح على الخفين , وإن كانتا مكشوفتين ; غسل القدمين ; فلا يشرع لبس الخف ليمسح عليه . ومدة المسح على الخفين بالنسبة للمقيم ومن سفره لا يبيح له القصر يوم وليلة , وبالنسبة لمسافر سفرا يبيح له القصر ثلاثة أيام بلياليها ; رواه مسلم ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن , وللمقيم يوم وليلة وابتداء المدة في الحالتين يكون من الحدث بعد اللبس ; لأن الحدث هو الموجب للوضوء , ولأن جواز المسح يبتدئ من الحدث , فيكون ابتداء المدة من أول جواز المسح , ومن العلماء من يرى أن ابتداء المدة يكون من المسح بعد الحدث . شروط المسح على الخفين ونحوهما : 1- يشترط للمسح على الخفين وما يقوم مقامهما من الجوارب ونحوها أن يكون الإنسان
حال لبسهما على طهارة من الحدث ; لما في " الصحيحين " وغيرهما ; أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال لما أراد نزع خفيه وهو يتوضأ : دعهما ; فإني أدخلتهما طاهرتين وحديث :
أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر وهذا واضح الدلالة على اشتراط
الطهارة عند اللبس للخفين , فلو كان حال لبسهما محدثا ; لم يجز المسح عليهما .
2- ويشترط أن يكون الخف ونحوه مباحا , فإن كان مغصوبا أو حريرا بالنسبة للرجل ; لم
يجز المسح عليه ; لأن المحرم لا تستباح به الرخصة . 3- ويشترط أن يكون الخف ونحوه ساترا للرجل ; فلا يمسح عليه إذا لم يكن ضافيا مغطيا لما يجب غسله ; بأن كان نازلا عن الكعب أو كان ضافيا لكنه لا يستر الرجل ; لصفائه أو خفته ; كجورب غير صفيق ; فلا يمسح على ذلك كله ; لعدم ستره . ويمسح على ما يقوم مقام الخفين ; فيجوز المسح على الجورب الصفيق الذي يستر الرجل من صوف أو غيره , لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين , رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي , ويستمر المسح عليه إلى تمام المدة ; دون ما يلبس فوقه من خف أو نعل ونحوه , ولا تأثير لتكرار خلعه ولبسه إذا كان قد بدأ المسح على الجورب . ويجوز المسح على العمامة بشرطين : أحدهما : تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه من الرأس . الشرط الثاني : أن تكون العمامة محنكة , وهي التي يدار منها تحت الحنك دور فأكثر , أو تكون ذات ذؤابة , وهي التي يرخى طرفها من الخلف ; فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على العمامة بأحاديث أخرجها غير واحد من الأئمة , وقال عمر : من لم يطهره المسح على العمامة , فلا طهره الله. وإنما يجوز المسح على الخفين والعمامة في الطهارة من الحدث الأصغر , وأما الحدث الأكبر ; فلا يمسح على شيء من ذلك فيه , بل يجب غسل ما تحتهما . ويمسح على الجبيرة , وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر , ويمسح على الضماد الذي يكون على الجرح , وكذلك يمسح على اللصوق الذي يجعل على القروح , كل هذه الأشياء يمسح عليها ; بشرط أن تكون على قدر الحاجة ; بحيث تكون على الكسر أو الجرح وما قرب هنه مما لا بد من وضعها عليه لتؤدي مهمتها , فإن تجاوزت قدر الحاجة ; لزمه نزع ما زاد عن الحاجة . ويجوز المسح على الجبيرة ونحوها في الحدث الأصغر والأكبر , وليس للمسح عليها وقت محدد , بل يمسح عليها إلى نزعها أو برء ما تحتها ; لأن مسحها لأجل الضرورة إليها , فيتقدر بقدر الضرورة . والدليل على مسح الجبيرة حديث جابر رضي الله عنه ; قال : خرجنا في سفر , فأصاب رجلا منا حجر , فشجه في رأسه , ثم احتلم , فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء . فاغتسل , فمات , فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أخبر بذلك , فقال : قتلوه قتلهم الله , ألا سألوا إذا لم يعلموا ; فإنما شفاء العي السؤال , إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها رواه أبو داود وابن ماجه , وصححها ابن السكن . محل المسح من هذه الحوائل : يمسح ظاهر الخف والجورب , ويمسح أكثر العمامة , ويختص ذلك بدوائرها , ويمسح على جميعا لجبيرة . وصفة المسح على الخفين أن يضع أصابع يديه مبلولتين بالماء على أصابع رجليه ثم يمرهما إلى ساقه , يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى , والرجل اليسرى باليد اليسرى , ويفرج أصابعه إذا مسح , ولا يكرر المسح .وفقنا الله جميعا للعلم النافع والعمل الصالح .
عرفت مما سبق كيف يتم الوضوء بشروطه وفروضه وسننه كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم ; فكنت بحاجة إلى معرفة ما يفسد هذا الوضوء وينقضه ; لئلا تستمر على وضوء قد بطل مفعوله , فتؤدي به عبادة لا تصح منك . فاعلم أيها المسلم : أن للوضوء مفسدات لا يبقى مع واحد منها له تأثير , فيحتاج إلى استئنافه من جديد عند إرادته مزاولة عمل من الأعمال التي يشرع لها الوضوء , وهذه المفسدات تسمى نواقض وتسمى مبطلات , والمعنى واحد , وهذه المفسدات أو النواقض أو المبطلات أمور عينها الشارع , وفي علل تؤثر في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه , وهي إما أحداث تنقض الوضوء بنفسها - كالبول والغائط وسائر الخارج من السبيلين - , وأما أسباب للأحداث ; بحيث إذا وقعت ; تكون مظنة لحصول الأحداث ; كزوال العقل , أو تغطيته بالنوم والإغماء والجنون ; فإن زائل العقل لا يحس بما يحصل منه , فأقيمت المظنة مقام الحدث . .. وإليك بيان ذلك بالتفصيل : 1- الخارج من سبيل , أي : من مخرج البول والغائط , والخارج من السبيل إما أن يكون بولا أو منيا أو مذيا أو دم استحاضة أو غائطا أو ريحا . فإن كان الخارج بولا أو غائطا , فهو ناقض للوضوء بالنص والإجماع , قال تعالى في موجبات الوضوء : أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ وإن كان منيا أو مذيا , فهو ينقض الوضوء بدلالة الأحاديث الصحيحة , وهى الإجماع على ذلك ابن المنذر وغيره . وكذا ينقض خروج دم الاستحاضة , وهو دم فساد , لا دم حيض ; لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ; أنها كانت تستحاض , فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : فتوضئي وصلي , فإنما هو دم عرق رواه أبو داود والدارقطني , وقال : إسناده كلهم ثقات . وكذا ينقض الوضوء خروج الريح بدلالة الأحاديث الصحيحة وبالإجماع , قال صلى الله عليه وسلم : ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ وقال صلى الله عليه وسلم فيمن شك هل خرج منه ريح أولا : فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وأما الخارج من البدن من غير السبيلين كالدم والقيء والرعاف ; فموضع خلاف بين أهل العلم , هل ينقض الوضوء أو لا ينقضه ؟ على قولين , والراجح أنه لا ينقض , لكن لو توضأ خروجا من الخلاف ; لكان أحسن . 2- من النواقض زوال العقل أو تغطيته , وزوال العقل يكون بالجنون ونحوه ; وتغطيته تكون بالنوم أو الإغماء ونحوهما , فمن زال عقله أو غطي بنوم ونحوه ; انتقضت وضوؤه ; لأن ذلك مظنة خروج الحدث , وهو لا يحس به , إلا يسير النوم , فإنه لا ينقض الوضوء , لأن الصحابة رضي الله عنهم كان يصيبهم النعاس وهم ينتظرون الصلاة , وإنما ينقضه النوم المستغرق ; جمعا بين الأدلة . 3- من نواقض الوضوء أكل لحم الإبل سواء كان قليلا أو كثيرا , لصحة الحديث فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصراحته . قال الإمام أحمد رحمه الله : فيه حديثان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما أكل اللحم من غير الإبل فلا ينقض الوضوء . وهناك أشياء قد اختلف العلماء فيها ; هل تنقض الوضوء أو لا ؟ وهي : مس الذكر , ومس المرأة بشهوة , وتغسيل الميت , والردة عن الإسلام , فإن العلماء من قال : إن كل واحد من هذه الأشياء ينقض الوضوء ومنهم من قال : لا ينقض , والمسألة محل نظر واجتهاد , لكن لو توضأ من هذه الأشياء خروجا من الخلاف ; لكان أحسن . هذا , وقد بقيت مسألة مهمة تتعلق بهذا الموضوع , وهي : من تيقن الطهارة , ثم شك في حصول ناقض من نواقضها ماذا يفعل ؟ لقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا , فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا ; فلا يخرج من المسجد , حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فدل هذا الحديث الشريف وما جاء بمعناه على أن المسلم إذا تيقن الطهارة وشك في انتقاضها ; أنه يبقى على الطهارة ; لأنها الأصل , ولأنها متيقنة , وحصول الناقض مشكوك فيه , واليقين لا يزول بالشك . وهذه قاعدة عظيمة عامة في جميع الأشياء ; أنها تبقى على أصولها حتى يتيقن خلافها , وكذلك العكس , فإذا تيقن الحدث وشك في الطهارة ; فإنه يتوضأ ; لأن الأصل بقاء الحدث ; فلا يرتفع بالشك . أخي المسلم ! عليك بالمحافظة على الطهارة للصلاة والاهتمام بها ; لأنها لا تصح صلاة بدون طهور , كما يجب عليك أن تحذر من الوسواس وتسلط الشيطان عليك ; بحيث يخيل إليك انتقاض طهارتك ويلبس عليك ; فاستعذ بالله من شره , ولا تلتفت إلى وساوسه , واسأل أهل العلم عما أشكل عليك من أمور الطهارة , لتكون على بصيرة من أمرك , واهتم أيضا بطهارة ثيابك من النجاسة ; لتكون صلاتك صحيحة وعبادتك مستقيمة ; فإن الله سبحانه وتعالى : يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وفقنا الله جميعا للعلم النافع والعمل الصالح .