ندامة الكسعي بسم الله الرحمن الرحيم الكسعي هذا مضرب الأمثال في الندم الشديد وإليكم قصته "..يحكى أن أعرابيا يدعى " الكُسَعي " كان يهوى صيد الظباء ، وإذ رغب في التفوق على منافسيه في الصيد ، فقد خطط لاقتناء قوس ما عرفت العرب مثل قوته ومرونته . وكان أن حمل ذلك الأعرابي فسيلة فتية من نبتة نفيسة ونادرة سيكون للعود المستخرج من ساقها بعد حين شأن عظيم في صنع أقوى قوس وأمضى سهم سيعرفه العربان . ومضى الأعرابي في الصحراء حتى عثر على شق عميق في صخرة صماء قاسية ، فغمر ذلك الشق بالتراب وزرع فيه تلك الفسيلة وأخذ ينقل لها الماء براحتيه كل يوم ليرويها ويمضي ساعات النهار بجانبها لحراستها من الحيوانات السائبةأو عبث العابرين . وبعد شهور من الحراسة والرعاية والاهتمام المتواصل ، شبّ العود وبات جاهزا للقطع والتحضير ليصبح اسمه بعد اليوم " قوس الكُسَعي " وماإن تم تجهيز القوس وسهامه من ذلك العود النادر حتى تنفس الكُسَعي الصعداء ومضى يحث الخطى في أول رحلة للصيد برفقة قوسه الجديد وسهامه الحادة . .. غربت الشمس وحل الظلام والأعرابي يختبئ خلف جذع نخلة باسقة بانتظار الصيد الموعود ، وما خذله أمله إذ سمع وقع حوافر الظباء تعدو بالقرب منه وها هي أشباحها تتراقص أمام ناظريه بين الأفق الفضي وظلام الصحراء ، هتف الأعرابي فرحا : هذا يومك يا كُسَعي ، وأطلق سهمه الأول نحو واحد من الظباء ، يا إلهي !! صاح الكُسَعي ، لقد اصطدم السهم بالصخروتطاير الشرر ، عليك بالثانية يا كُسَعي ، وأطلقها ، ربّاه !! حتى الثانية ما أصابت فريستها !! فقد ارتطم السهم الثاني بالصخر وتطاير منه الشررأيضا !! وحاول بالثالثة والنتيجة كانت ذاتها. أدار الكسعي ظهره بتثاقل اليائس الحزين وأسند ظهره المتعَب إلى جذع النخلة وألم الخذلان يمزقه. نظر إلى قوسه نظرة الحاقد وقال : لماذا خيّبت أملي أيها القوس اللعين ، لقد أتيت ببذرتك من أقاصي البلاد وزرعتك في شق صخرة صماء وأرضعتك زلال الماء بكفيّ هاتين وسهرت على حمايتك ورعايتك حتى تنمو وأجني ثمرة جهودي معك ، فما كنتَ إلا خائن العهد عديم الوفاء ،فإلى الجحيم أيها الغادر اللئيم ،، إلى الجحيم .. قالها الكُسَعي وهو يحطِّم قوسه ويكسِّر سهامه ، واستسلم للنوم من شدة الحسرة والألم . .. ومع إشراقه الشمس وإطلالة خيوطها الذهبية .. استيقظ الأعرابي يفرك عينيه .. ثم حانت منه التفاتة نحوالجهة الخلفية للنخلة .. ربّاه !! ما هذا ؟؟ واحد .. اثنان.. ثلاثة.. !! ثلاثة ظباء صرعى على الأرض !! اقترب منها وأخذ يفرك عينيه بشدة لعله يستوضح الأمر، ثم صرخبأعلى صوته: إلهي !! كم كنتُ عَجولا أعمى البصر والبصيرة !! لقد اخترقت السهام بطون الظباء الثلاثة من جهة لتخرج من الجهة الثانية وترتطم بالصخر الأصم قادحة شررا تطاير في كل جهة بما أوحت للكُسَعي بأن السهام أخطأت الظباء وأصابت الصخر . .. وتداعى جسد الأعرابي وسقط أرضا فما عادت ساقاه تطيقان حمله ، ثم أخذينوح ويبكي حظه العاثر ، ومن شدة ندمه على تحطيم قوسه عض أصبعه ندما ، حتى قطعه. ومنذ ذلك الحين ، يقول الأعراب : لقد ندم فلان ،ولكن ليس كندامة الكُسَعي وأصبحت مثلاً يقول الفرزدق بعد أن ندم على تطليقه لزوجته نوار: نَدِمْتُ نَدَامَةَ الكُسَعِـيّ لما@@ غدت مِنّي مُطَلَّقَـةً نَـوَارُ وَكَانَتْ جَنّتي، فَخَرَجْتُ منها@@ كآدم حِينَ لَجّ بِهِ الضِّـرَارُ وَكُنْتُ كفاقئ عَيْنَيْهِ عمدا@@ فأصبح مَا يُضِيءُ لَهُ النّهَارُ وَلا يُوفي بحبِّ نَوَارَ عِنْدِي@@،وَلا كَلَفي بهَـا إلاّ انْتِحَـارُ وَلَوْ رَضِيتْ يَدايَ بهَا وقرت@@ لكان لهَا عَلى القَدَرِ الخِيَارُ وَمَافَارَقْتُـــهَا شِبَعاً، ولـكن@@ رأيت الدّهْرَ يَأخُذُ مَـا يُعَـــارُ |