.
.
آآه، ماذا أفعل لك أيها الصغير.؟ أنا مثلك تائه في هذه الفوضى، أبحث عن الحقيقة فأراها قد اغتيلت بسهام الشعارات والوعود، أرى الخديعة تتلون أمامي، وأرى الحق يختنق ولا أملك إنقاذه، أنا مثلك تحاصرني الأوجاع، يجتاحني الإحساس بالظلم وتهجم عليّ الرغبة بالهرب من هذا كله، والعودة إلى عائلتي الصغيرة، إلى طفلي وزوجتي وأمي العجوز، أحياناً أشعر بأنني بطل أمتلك جرأة الفرسان، وأحياناً أشعر بأنني جبان خائف على لقمة العيش، وأحياناً أكون منافقاً حين أرى وجه مديري البغيض يأمرني بكل وقاحة أن أشوه الحقيقة المرصودة في صوري كي يجمّلها للعالم، كلما أتيت له بتقرير عن المجازر المرعبة، أمرني، لا تصور الجنازات، صور فقط الأطفال وهم يقذفون الحجارة، تحدث عن السلام، إياك أن تتحدث عن لوعة الآباء أو تشريد الأطفال. لقد لوّح لي أكثر من مرة بأنني قد أتعرض للسجن إن خرجت عن ضوابط الصحافة، أعلم أنه هو الآخر مأسور مقيد، يخاف أن يطرد أو تقفل صحيفته، أو يتهم بالتواطؤ مع الانتحاريين.
التفت إلى الطفل من جديد، كان لا يزال ممسكاً ببنطالي، سألته ملاطفا: حبيبي، ألا تعرف أحدا من هؤلاء الأشخاص؟
هز رأسه بالنفي.
ألا تذكر منزلا أو مكانا آخذك إليه؟
كلا.
تعاظمت بداخلي الحيرة، أ آخذه معي إلى مقر عملي حيث نعيش خمسة أشخاص في غرفة واحدة؟ أم أتركه هنا يواجه ما يواجهه الكثير من الأطفال التائهين؟
وددت لو أسلمه لأي شخص من هؤلاء الذين يتحركون أمامي، لكنهم كانوا كالأشباح، يسيرون بلا تركيز فقد أفقدهم الهم كل إحساس بالزمان والمكان.
أسندته إلى أحد الجدران المهدمة، تأملت عينيه الصغيرتين.
صغيري، ابق هنا، سأغيب قليلا ثم أعود إليك.
هل ستحضر أبي؟
نعم سأحضره، ولكن لا تتحرك حتى أعود، اتفقنا؟
أومأ رأسه بالإيجاب ثم جلس عاقدا ذراعيه على صدره وبجانبه تجلس لعبته المكسورة، قبلته على خده ومضيت، وكلما التفت ورائي وجدته جالسا يتأمل الناس ببراءة وعيونه تحكي ألف سؤال.
بصعوبة حاولت أن أفلت من عينيه، وبصعوبة أشد حاولت أن أهرب من سياط التأنيب في داخلي، أقنعت نفسي بأن أي شخص يعثر عليه سيكون أفضل حالا مني، وأكثر أمانا من واقعي.
لا أدري كم من الوقت مضى وأنا أسجّل الصور وأتحدث مع أشباه البشر، حتى أفقت على أصوات المدافع تفجّر براكين غضبها على رؤوسنا، انطلقت بكل سرعتي لأختبئ من جحيم هذا القصف، والناس من حولي يتدافعون للتعلق بأهداب الحياة.
وفجأة..
سمعت أحدهم يصرخ: لقد مات الطفل، مات الطفل.
توقف الزمن لدي، تذكرت الصغير الذي تركته ينتظرني، كيف نسيته وسط الركام؟ ركضت بلا تفكير وضميري يصفعني بتأنيبه القاسي، تراقصت صور أشلائه الممزقة في عيني، براءته التي فجّرتها صواريخهم، كل شيء في داخلي كان يجلدني، يعايرني بضعفي وجبني.
لا أعرف كيف وصلت إلى ذلك الجدار، لقد تحول إلى ركام، صرت كالمجنون أبحث عن صغيري، أتلفت في كل الاتجاهات، وأسأل عنه كل الوجوه، وأتوسل إلى الله أن ألقاه فأعتذر له عن غبائي، وهناك، عثرت على لعبته المكسورة مرمية بعيدا ملطخة بدماء حمراء، ارتجف جسدي وصرخت بكل لوعة المفجوعين، جلست منهاراً أبكي عجز الرجال، لم أعد أرغب في أي شيء، كرهت الصحافة والصور وجرائم البشر، ولم يبق في داخلي سوى صوت صغيري وهو يناديني: “عمو.. لا تتركني”.
أحسست بجسم يلتصق بي، رفعت رأسي فرأيته يبكي، كان يرتجف من الخوف ويصيح: “لقد تأخرت يا عمو، أنا خائف يا عمو”.
حضنته بقوة، دفنته بين ضلوعي، ركضت به بعيداً، بعيداً، وتركت ورائي آلة التصوير، ملقاة كجثة هامدة.