يقول الله سبحانه وتعالى مخبرا عن نفسه ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ) البقرة 255
فلا يليق بجلاله سبحانه وتعالى سنة ولا نوم ، أما العبد فتأخذه السنة ويأخذه النوم الخفيف والعميق ، ويقابل هذه السنة وهذا النوم الذي لابد للإنسان ، سنة و نوم من نوع آخر وهو الغفلة عن الطريق والهدف الذي خلق من أجله ألا وهو( عبادة الله ) .
وهذا ما يؤكده الإمام ابن القيم عندما قال : ( لابد من سنة الغفلة ورقاد الهوى ، ولكن كن خفيف النوم فحراس البلد يصيحون : دنا الصباح ) فهنا يبين ابن القيم حتمية النسيان على ابن آدم والغفلة الآنية ، ولكن المسلم الذي وضحت له الغاية لا ينبغي أن تكون غفلته طويلة أو رقاده عميقا فمن تذكر أن الموت آت وهو أقرب مما هو يتوقع ، وأيقن أن الصباح قد دنا لابد أن يستيقظ من الهوى الذي مال له قلبه قبل أن يتحول إلى نوم عميق فلا يستطيع الاستيقاظ إلا بعد طلوع شمس يوم القيامة .
فعندما تسلم أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه الخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إني داع فأمنوا – فجاء في دعائه – اللهم انى ضعيف عند العمل بطاعتك فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك . أين نشاط عمر رضي الله من نشاطنا ؟ولكنه الحرص على بلوغ الكمال في العبادة .
ويقول عطاء بن أبى رباح رضي الله عنه ( لأن أرى فى بيتي شيطانا خير من أرى فيه وسادة ، لأنها تدعو إلى النوم ) إن رمضان من مواسم الطاعات الكبرى، ومعرض رائع للتجارة الأخروية، وهذه العبادات تكون جمالا لأوقاته، وزينة لساعاته، وحلية لأيامه ولياليه والطاعة جميلة في كل وقت، وهي في هذا الشهر أجمل، وثوابها عند الله أعظم وأجزل...
فليحرص كل مسلم أن يغتنم هذا العظيم ويستقبله بتوبة نصوح، ونية صادقة على الطاعة، وإرادة قوية وهمة عالية على مواصلة الطاعة حتى نهايته حتى يكون ممن كتب الله لهم العتق من النيران، واستكثروا فيه من خصال أربع حثنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ".. واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار".
قال الشاعر: أتى رمضان مزرعة العباد *** لتطهير القلوب من الفساد فأد حقوقه قولا وفعلا *** وزادك فاتخذه للمعاد فمن زرع الحبوب وما سقاها *** تأوه نادما يوم الحصاد
فيا أخي الحبيب، لقد جاء شهر رمضان، الذي طالما ترقبته وانتظرته. لقد جاءتك فرصة للتوبة والعتق من النار. لقد جاءتك الجنة مقبلة عليك. فماذا أنت فاعل مع كل هذا الخير، الذي أقبل عليك؟ وما هي عدتك؟ وما هي خطتك؟ وما هو برنامجك في شهر رمضان؟. فالحذر الحذر من تضييع تلك الفرص. والحذر الحذر، أن تكون حتى الآن بلا خطة وبلا هدف. والحذر الحذر، أن تشهد هذا الشهر بهمة متدنية سافلة، بل عليك، أن تكون صاحب همة عالية رفيعة، فلا ترضى بغير الجنة بديلا، بل لا ترضى بما هو أقل من الفردوس الأعلى. هكذا يجب أن تكون همتك، وأنت مقبل على رمضان.