غزوة تبوك (العسرة) :
في الثامن من شهر رمضان 9هـ الموافق 18ديسمبر 630م كانت غزوة تبوك، وعاد الرسول
صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة في الشهر نفسه بعد أن أيده الله تعالى فيها تأييدًا كبيراً.
وسُمّيت أيضاً بــ«غزوة العسرة» لما اجتمع فيها من مظاهر الشدّة والعسرة، حيث حرارة الجوّ،
وندرة الماء، وبعد المكان، وفوق هذا وذاك كان المسلمون يعيشون حالة من الفقر وضيق الحال،
وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الحال في قوله تعالى: «لقد تاب الله على النبي والمهاجرين
والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة».
وهكذا أعلن النبي النفير، وحث الناس على الإنفاق في سبيل الله قائلاً: (من جهّز جيش العسرة فله
الجنة) رواه البخاري، فاستجاب الصحابة لندائه، اولهم عثمان بن عفان الذي جاد بمال كثير لم
ينفق مثله احد، كما تصدق عمر وأبو بكر وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم بألفي درهم، إلى
جانب الصدقات العظيمة التي قدّمها أغنياء الصحابة كالعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله،
ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي، رضي الله عنهم أجمعين.
وكان مبتدا ذلك انه وبعد انتصار المسلمين في فتح مكة والطائف، وغزوة المسلمين مؤتة عند اطراف الشام
وصلت الرسول (صلى الله عليه وسلم) أخبار من بلاد الروم تفيد أنَّ ملك الروم هرقل وحلفاءه من
العرب من قبائل لخم وجذام وغسان وعاملة قد هيأ جيشاً لمهاجمة الدولة الإسلامية قبل أن تصبح خطراً على دولته.
واجتمع مع النبي ثلاثون ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وغيرهم من أبناء القبائل العربيّة،
ودفع باللواء إلى أبي بكر الصديق، ثم استخلف علي بن أبي طالب عنه ليقوم برعاية أهله، فشقّ
عليه أن تفوته هذه الغزوة،
فذهب إلى النبي - يستأذنه في الخروج، فقال له عليه الصلاة والسلام: (أما ترضى أن تكون مني
بمنزلة هارون من موسى؟، غير أنه لا نبي بعدي) رواه البخاري.
وعندما وصل الجيش إلى تبوك، لم يجدوا أثراً للروم أو القبائل الموالية، فبعث النبي سريّةً بقيادة
خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى دومة الجندل، وغنموا عدداً كبيراً من المتاع والأنعام،
واستطاعوا أن يأسروا ملكها «أكيدر بن عبد الملك الكندي»، وأتوا به إلى النبي، فصالحه على
دفع الجزية، ثم أطلق سراحه.
ومكث النبي في تبوك عشرين يوماً، يستقبل الوفود التي جاءت للمصالحة ودفع الجزية من أهل
«جرباء وأذرح» وغيرهما، وكان منهم وفد ملك «أيلة» الذي بعث بهديّةٍ من كساء وبغلة بيضاء،
فقبلها النبي صلى الله عليه وسلم. وعاد جيش المسلمين إلى المدينة.