توبة قاتل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها الناس! لقد فتح الله باب التوبة فلم يغلقه حتى تطلع الشمس من مغربها.
فكلما أذنب عبد، أو عصى، أو أخطأ، أو أساء، قال الله له: إلي يا عبدي، تب، فأتوب عليك. ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)). ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا الله)). من يستر العيوب إلا الله؟
من يتجاوز عن السيئات إلا الله؟ ((وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)). وهاك أخي المسلم، التائب المنيب، خبراً عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، يحدثنا فيه عن رجل سلف به الدهر، قد أذنب ذنباً بيناً، وأخطأ خطأً فاحشاً، وارتكب جريمة من أكبر الجرائم في تاريخ البشرية.
يقول صلى الله عليه وسلم فيما اتفق على إخراجه البخاري و مسلم : (كان فيمن كان قبلكم -أي: من بني إسرائيل-، رجل قتل تسعة وتسعين نفساً)
رجل تلطخ بالدماء، لطخ أصابعه، وثيابه، ويده، وسيفه بقتل تسعة وتسعين نفساً من الأنفس المعصومة، التي لو اجتمع أهل الأرض وأهل السماوات على قتل رجل مسلم لكبهم الله على وجوههم في النار، فكيف بمن أتى بسيفه باطشاً فتاكاً مجرماً غاصباً ليقتل تسعة وتسعين نفساً؟
هذا الرجل فعل هذه الجريمة، وتلطخ بالدم، وأباد هذه الأرواح المعصومة التي عصمها الله، وأزهق هذه النفوس.
وبعد أن تلطخ بالجريمة وأخطأ، راجع حسابه مع الله، وتفكّر في لقاء الله، وتذكر القدوم على الله، وعلم أنه لا يغفر الذنب، ولا يأخذ بالذنب، ولا يحاسب على الذنب، ولا يبغض العبد في الذنب إلا الله. ففكر بالعودة إليه ليعتقه من النار. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبتُ في الرق فاعتقني من النار
فخرج، وثيابه ملطخة بالدماء، وسيفه يقطر، وأصابعه تقطر، وأتى كالسكران المذهول المدهوش، يقول للناس: هل لي من توبة؟
فقال الناس: ندلُّك على راهب في صومعة، فاذهب إليه، واسأله: هل لك من توبة؟
لأنه لا يفتي في هذه المسائل إلا الفقهاء، فذهب إلى ذاك الراهب، وكان عابداً من عباد بني إسرائيل لم يذق حلاوة العلم، ولم يتحصن بحصن المعرفة والتثبت والإتقان لأمور الدين، وإنما عكف على عبادات أنشأها لنفسه، لا دليل عليها في شرع ولا ملة
((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)).
لأن الدين إذا لم يصاحبه النور والعلم، فهو ضلال، وبدع متراكمة بعضها فوق بعض.
فذهب بخطاه المسرعة، وأسفه، وذنوبه، فطرق باب صومعة العابد.
فخرج له هذا العابد، الذي حرم على نفسه اللحم، والغذاء الحسن، واللباس الحسن، والزواج.. وكل هذا لم يحرمه الله، ولكنه الجهل بمراد الله.
فدخل هذا المجرم وإذا ثيابه تقطر بالدماء.
فقال الراهب: أعوذ بالله منك!
وهذا ليس من أساليب العلماء، والدعاة الذين يريدون هداية البشرية؛ لأن باب الله مفتوح، وعطاءه يغدو ويروح، وثوابه ممنوح، ويده مبسوطة بالليل ليتوب مسيء النهار، ويده مبسوطة بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.
فقال المجرم: يا أيها الراهب العابد أنا قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟
فقال العابد الجاهل: لا توبة لك!
سبحان الله! أتغلق باباً فتحه الله؟
أتقطع حبلاً أرسله الله؟
أتكف قطراً بعثه الله؟
أتقفل منفذاً أوجده الله؟
الله الذي خلق، والله الذي قدر، والله الذي يغفر، والله الذي يحاسب، والله الذي يناجي العبد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ويقرره على ذنوبه، ثم يغفرها له إن شاء، فما دخلك أنت بين العباد وبين ربهم؟
أأنت أهلٌ لأن تفتي في هذه المسائل؟
لا، لست كذلك، فلها العلماء العاملون العارفون بمقاصد الشريعة.
فأيس هذا المجرم من الحياة، وأظلمت في عينيه الدنيا، وصغرت في عينه الإرادة والعزيمة، وأصبح الجمال في وجهه قبيحاً، فرفع سيفه فقتل هذا الراهب فوفى به المائة جزاء نكالاً.
ثم خرج إلى الناس يسألهم من جديد، لا لشيء إلا أن نفسه تحن إلى التوبة، وإلى الرجوع إلى مولاه، وإلى القدوم على الله.
فقال للناس: هل لي من توبة؟
قالوا: ندلُّك على فلان بن فلان، عالم من العلماء، وليس براهب، بل فقيه.
فهو كما قال سبحانه:
((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) ،
((يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ))،
((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ))،
((شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ))،
((وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا))
، ((وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ)). فذهب إلى العالم وهو في حلقته، يعلم الأجيال، ويربي الأمة.
فهشّ العالم في وجهه، وبش لما رآه، وأجلسه بجانبه، وعانقه، وحياه وقال: ما عندك؟
قال: قتلت مائة نفس معصومة فهل لي توبة؟
قال: ومن يحول بينك وبينها؟
ومن يمنعك منها؟
باب الله لك مفتوح، فأبشر بالمغفرة، وأبشر بالقبول والسرور، وأبشر بالتوبة النصوح.
فقال: أتوب إلى الله وأستغفر الله.
قال: أسأل الله أن يتوب عليك.
ثم قال له العالم: إنك كنت تقيم في قرية سوء، فبعض القرى، وبعض المدن عون على المعصية والجريمة، ومن ضعُفَ إيمانه في مثل هذه الأماكن، سهلت عليه المعصية، وخفت عليه الذنوب، وهانت عليه مخالفة الرب عزّ وجل، فاقتحم ظلمات الردى ومهاوي الضلالة. وإذا كان المجتمع قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سدت أبواب الشرور على العباد.
فاخرُج إلى قرية صالحة، واستبدل بها قريتك، واتخذ لك شباباً صالحين يعينونك ويساعدونك.
فذهب مسرعاً فرحاً بهذا الخبر، وبذا التوجيه.
وبينما هو في أثناء الطريق أتته سكرات الموت ((ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)) ،
((يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ)).فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قبضت روحه.. فما صلّى، وما صام، وما تصدق، وما زكى وما فعل خيراً قط.. غير أنه عاد إلى الله تائباً نادماً راغباً راهباً.
فأتت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لقبض روحه واستلامها من ملك الموت، فاختلفوا فيه اختلافاً شديداً، فتقول ملائكة الرحمة: إنه قد جاء تائباً، مقبلاً إلى الله، وإلى حياة الطاعة، قد باع نفسه لله من جديد وولد ولادة أخرى بهذه التوبة.. فهو من نصيبنا.
وتقول ملائكة العذاب: إنه ما عمل خيراً قط.. لم يسجد، لم يصلّ.. لم يزك.. لم يتصدق.. فبأي شيء يستحق الرحمة؟
بل هو من نصيبنا.
فأرسل الله إليهم ملكاً من السماء ليفصل فيما بينهم.
فأتى إلى الملائكة، وهم فريقان يختصمون.
فقال لهم: رويدكم.. إن الحل عندي، أن تقيسوا ما بينه وبين الأرض التي هاجر منها، وهي أرض السوء، وما بينه وبين الأرض التي هاجر إليها، وهي القرية الصالحة.
فإن وجدتموه أقرب إلى أحدهما فهو من أهلها.
فقاسوا ما بينهما وبينه، فأوحى الله إلى أرض السوء: أن تباعدي، وإلى أرض الخير: أن تقاربي.
وفي رواية أخرى: أنه أخذ ينوء بصدره إلى الأرض الصالحة.
فوجدوه أقرب إلى أهل الصلاح فحكموا به لملائكة الرحمة. فقبضوه إلى الجنة (1) .
فالعبد تمر به لحظات وفترات ينسى عقله، وينسى إرادته، وينسى صدقه وأمانته.
بل يُنزع عنه الإيمان فترة من الفترات، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن) (1)
قال أهل العلم: يرتفع إيمانه كالظُّلَّة على رأسه في وقت مزاولة الجريمة، وبعد أن ينتهي، ويراجع حسابه مع الله، ويتذكر القبر، يعود إليه إيمانه فيقول: أستغفر الله ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ))، ثم يقول سبحانه وتعالى متحدياً كبراء الأرض، ومتحدياً رؤساء الأرض: ((وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا الله))
هل هناك أحد يغفر الذنب إلا الله؟
لأن الناس لا يسترون.
والناس لا يغفرون.
والناس لا يسامحون.
ولكن الله يسامح ويغفر ويستر ((وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)). إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
فما لي حيلتي إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
أسأل الله أن يتوب علينا، وعلى جميع المسلمين، وأن يجعلنا من العائدين إليه، والمستغفرين في كل آن وحين.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
الشيخ .د . عائض القرني اللّهم ارحمنا اذا حُمِلنا على الأعناقِ وبلغتِ التراقِ وقيل من راق وظن أنه الفراقُ والتفَّتِ السَّاقُ بالسَّاقِ إليك يا ربَّنا يومئذٍ المساق (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا) مدونتي ( أبجدياتي ) |