لقد اعتنى المنهج التربوي الإسلامي بما يمتلك من فلسفة تربوية شاملة ومتكاملة بتهذيب الإنسان وتقويمه وتكامله ، فجاء المنهج الإسلامي التربوي ينفرد بخصائص جوهرية لا توجد في المناهج الأخرى مثل : شمولية التربية حيث أن التكوين التربوي له أبعادا متنوعة تتجاوز الإنسان كفرد قابل للتكوين لتمتد إلى الأسرة ووصولا إلى
المجتمع والإنسانية ..
وحين نتحدث عن الأسرة نبدأ بالحديث عن أصغر فرد فيها وهو
الطفل ، فالمربي الإسلامي والمؤسسات التربوية تهتم اهتماما بالغا في هذا المر حتى يكون التأثير فاعلا ويكون
الطفل أكثر استيعابا لمرحلة البناء التربوي التي تجعل منه شخصية فاعلة وسوية وقادرة على القيام بدورها في بناء
المجتمع ..
نتحدث هنا عن دور الأسرة في أمن المجتمع :
ودور تعني : دار الشيء يدور دورانا ، وهو الواجب والمسئولية التي يجب القيام بها ، وهذا دورك أن تفعل كذا ومسئوليتك القيام بكذا ..
الأسرة : كلمة تطلق على الجماعة التي يربطها رابط مشترك ،وأسرة الرجل : عشيرته ورهطه لأنه يتقوى بهم ،فالأسر في اللغة يحمل معنى التماسك والقوة ..
أمن : أصل المن طمأنينة النفس وزوال الخوف والمن ضد الخوف
وهو استقرار المواطنين وشعورهم بالطمأنينة والمن على أرواحهم وأموالهم وأملاكهم ..
المجتمع : تقول العرب : جمع الشيء عن تفرقه يجمعه جمعا ، والجمع : اسم لجماعة الناس
والمجتمع هو : مجموعة الأفراد والأسر الذين يعيشون في مكان واحد فنقول
المجتمع المكي ( سكان مكة المكرمة ) وهكذا ..
والأسرة هي المؤسسة الأولى لبناء الإنسان حيث يعتمد
الطفل اعتمادا كليا في إشباع حاجاته على أسرته وهذا يجعله أكثر قابلية في التأثر بمن حوله فهو لا يملك لنفسه بطبيعته القاصرة نفعا ولا ضرا ومع تطوّر نموه الجسدي والعقلي يبدأ بالتكيف مع المحيط وإدراكه لكنه لا يزال معتمدا في تفكيره وتصوراته الذاتية خصوصا قبل المدرسة على ما يقدمه الآباء من عاطفة أسرية سلبية كانت أو مفرطة أو متذبذبة ، ولهذه العاطفة أثر كبير على نمو
الطفل في جميع المجالات وأهمها :
· النمو الحركي :
فهو يسهم في التكيف الذاتي والاجتماعي الأمثل للطفل ، ومن تلك الجوانب :
- يسهم بدور كبير في تقبل
المجتمع للطفل .
- توفير أجواء من المرح والسرور حتى حين يكون
الطفل وحيدا .
- التطور الحركي يقود لتطوير مشاعر الأمن الجسمي والنفسي .
- المساعدة في تطور الصحة عند
الطفل .
- التخلص من الطاقة الزائدة والتوتر والإحباط .
- المساعدة في تطوير استقلال
الطفل واعتماده على نفسه .
والسلوك الحركي يتأثر بنوع استجابة البيئة لتلك الحركات التي يقوم بها
الطفل فإذا وبخ
الطفل من قبل الوالدين وعدم حصوله على التعزيز يؤدي إلى عزوفه عن معاودة تكرارها بسبب إهمال الوالدين أو عدم التفاعل بجدية وحماس ...
· النمو الانفعالي :
والانفعال هو حدوث استجابة فسيولوجية على شيء من الشدة كأن تكون زيادة مفاجئة لضربات القلب أو تعرق شديد أو ازدياد ضغط الدم أو توترا في الجهاز العصبي ...
والاسم الذي نطلقه على الانفعال مثل حين نقول انفعال الخوف أو الغضب أو الفرح يتحدد حسب مستوى الصورة البصرية أو طبيعة الحاجة الداخلية ، ومن أهم مظاهر الانفعال التي يعانيها الأطفال هي :
- الخوف : ومن مظاهره توتر في عضلات المعدة وشعور بالضيق والتوتر ، وللآباء تأثير كبير في تعلم هذا الانفعال فبالرغم من قدرتهم على مساعدتهم للأطفال بالتغلب على مخاوفهم إلا أنهم في الوقت نفسه يكون لهم دور سلبي باعتبارهم مصدرا أساسيا لتلك المخاوف ..
وللخوف طريقتان تنتقل بها مخاوف الآباء إلى الأبناء وهي :
- التوحد حيث يقوم
الطفل بتقليد أو إدخال خوف والديه بصورة لا شعورية ..
- التعلم الاجتماعي حيث يقوم
الطفل بتقليد سلوك والديه في انفعال الخوف بوعي وشعور ..
· النمو الاجتماعي :
وهي العملية التي عن طريقها يسعى الآباء إلى إحلال عادات ودوافع جديدة فالآباء يهدفون من خلالها إلى جعل أبناءهم يكتسبون أساليب سلوكية يرضى عنها
المجتمع وتتقبلها الثقافة المحلية وأكثر الطرق استخداما هي طريقة الثواب والعقاب والملاحظة والتقليد ، ومن أهم شروط تنشئة
الطفل تنشئة اجتماعية فعالة هي تقبل الأم له ، فالأم لا تتقبل صغيرها إذا لم تتقبل ذاتها ففاقد الشيء لا يعطيه لهذا على الأم أن تدرك قيمتها في
المجتمع والقيمة التي حفظها لها الدين ومنحها إياها ولا تتأثر بأقوال الناعقين ممن يرددون بأن المرأة وخاصة المسلمة مقيدة ومهضومة الحقوق فهذه كلها أساليب لتحطيم قدرة المرأة والتقليل من شأنها وغرس روح عدم الثقة في نفسها ...
وتلعب حرارة الأسرة في جانب آخر دورا مهما في نمو شخصية
الطفل وخصائص سلوكه الاجتماعي ، وقد قامت ( بومرنيد ) ببحث وجدت من خلاله أن الأطفال الذين يتميزون أكثر من غيرهم بالاعتماد على النفس والضبط والاستقلالية هم أولئك الذين يقوم آباءهم بممارسة الضغط عليهم في أداء واجباتهم دون أن يغفلوا عن إشعارهم دائما بحرارة العاطفة نحوهم وتقبلهم كما هم وتشجيعهم باستمرار في كل مرة ينجحون فيها بأداء واجباتهم ..
· النمو العقلي
إن تنشئة العقول وتربيتها على قوة المدارك من الإسلام لأنها عماد نهضة الأمم ، والذكاء هو حدة الحواس التي يتزود بها الإنسان حسب تعبير ( جالتون ) وعرّفه ( وكسلر ) بأنه المقدرة الكلية للفرد الإنساني على التصرف الهادف والتفكير العاقل والتعامل الكفء مع البيئة ..
وتلعب العاطفة السرية دورا هاما في تنمية الذكاء لدى
الطفل من خلال :
- توفير الألعاب التي تناسب مرحلته العمرية
- قضاء وقت معين مع
الطفل وتشجيعه على اللعب وحل المشكلات
- إجابته على الأسئلة التي يطرحها
- اغناء لغته بالحديث معه بلغة معبرة ثرية في وصف البيئة والحوادث بصورة صحيحة
وقد وجد أحد الباحثين ( زاجونك ) : أن هناك علاقة كبيرة بين ترتيب
الطفل في العائلة وبن ذكائه وقدرته العقلية حيث توصل إلى أن هناك علاقة عكسية بين ترتيب
الطفل ومستوى ذكاءه وعلل ذلك بأمرين :
1- المستوى العقلي للأشخاص الذين يتفاعل معهم في الأسرة وهم الأب والأم فقط
2- قيام
الطفل الأول بتعليم إخوانه الصغر منه سنا مما يوفر له فرصة سانحة لتطوير قدراته وإمكانياته العقلية ...
أجرى ( سيموندز ) دراسة بين فيها : خصائص الشخصية والتوافق الاجتماعي لمجموعتين حيث وضح من خلالها أن الطفل الذي يعاني من ( الحرمان العاطفي ) يتحول إلى كائن عدواني مضاد للمجتمع وخطرا على أسرته والمجتمع والإنسانية ...
& المجموعة الأولى : تتكون من (31 ) طفل منبوذ : لا يتقبله والديه ولا يرتبطون معه بعاطفة أسرية سليمة ..
& المجموعة الثانية من (31 ) طفلا مقبولا ، ومن خلال الدراسة تبين أن المجموعة الثانية أظهرت قبولا بدرجة أكبر وتعاونا وودا وأمانة واستقرارا فيه من الناحية الانفعالية وحزما وسرورا ، أما المجموعة الأولى وهي المنبوذة فكانوا غير مستقرين انفعاليا وذوي نشاط زائد وكانوا يسلكون سلوكا يهدف جلب الانتباه وكانوا أكثر حنقا على السلطة بما في ذلك والديهم وأكثر تمردا على النظم الاجتماعية والقواعد ، كما أظهروا اتجاهات جانحة وأكثروا من الكذب والهروب من البيت والسرقة والتشاجر وأمثال هؤلاء يكون لهم أثر كبير في فساد
المجتمع ودماره ..
· النمو اللغوي :
الأسرة هي العامل الأكثر أهمية في رعاية نمو
الطفل اللغوي ، فأول حافز صوتي للطفل هو صوت النطق البشري ، ويستجيب
الطفل للأصوات البشرية منذ الأشهر الأولى بما يمتلكه من قدرات على التمييز الإدراكي فيبدأ بمحاكاة ما ينطق به من يحيطونه والوالدان يلعبان دورا مهما في زيادة عدد الأصوات وتشجيعه على إحداث الأصوات والتلفظ بها وبالكلمات والتفاعل بينهما ...
وتشجيع
الطفل على أن يكون مصغيا جيدا وتشجيعه على الكلام والتعبير الحر وعدم الإلحاح في تصحيح أخطائه ..
كما نشجعه على سماع اللغة كتلاوة القرآن والقصائد الشعرية والقصص والخطب من الناس وتوفير مثيرات ثقافية وفكرية تساعده على النمو اللغوي والفكري والاجتماعي كالمجلات والكتب والقصص التي تخص الأطفال ...
وقد وجد براون أن تقبل
الطفل والاهتمام به وتخصيص وقت كافي للحديث معه ومشاركته لهوه وإجابته على استفساراته وأسئلته تؤثر على نمو
الطفل وتجعله أوفر حظا في اكتساب مفردات ومهارات لغوية جديدة وسليمة ..
والأطفال الذين يعيشون بأمان وسعادة بعيدين عن القلق يتكلمون أفضل من الأطفال الذين يعانون حالات انفعالية سلبية ..
& وتشير مكارثي إلى أن بعض صعوبات النطق يحدث نتيجة لمشكلات انفعالية كفقدان الشعور بالأمان ، واضطرابات الكلام شائعة بصورة خاصة في :
- الأسر التي يعاني فيها أحد الأبوين من حالة عصبية ..
- حين تكون علاقة الأبوين ضعيفة مع
الطفل .
- حين يشعر
الطفل بالإهمال ..
- في الأسر التي تنتقد
الطفل وتطعن في سلوكه بصورة مبالغ فيها ..
للموضوع بقية
تابعوا معي
المراجع :
- ورقة عمل مقدمة لندوة المجتمع والأمن ( الدور المني للأسرة / د. محمد بن يوسف أحمد عفيفي ..
- العاطفة الأسرية وأثرها على الطفل / عبد الرسول عداي .
- كيف تتكامل شخصية الطفل ؟ / سالم مبارك الفلق .
- ورقة عمل مقدمة لندوة المجتمع والأمن ( المؤسسات المجتمعية والمنية : رؤى مستقبلية / د. حسن بن أبو بكر العولقي )
- الطفل ووسائط الإعلام / د. صلاح عبد السميع عبد الرازق