قيل عن قصة نبي الله يوسف u أحسن القصص ؛ لأن فيها من قصص الأنبياء والرسل عليهم السلام . والملوك والتجار والفقراء والحبس ، والشدة والفرج ، والغنى والفقر ، وذكر الفاحشة والعفاف ، وذكر الذئب والمغفرة ، والرؤيا المنامية والأحبار في اليقظة . ويضيف الدكتور عائض القرني في كتابه الذي بين أيدينا أنها أحسن القصص لأن كل ما جاء فيها عاد إلى أحسن حال وأحسن سرور وأحسن حضور ، فيوسف u تحوّل من حال الحبس والاضطهاد إلى النبوة والملك وأبوه يعقوب u بُشر باجتماع الشمل وتاب الله على إخوة يوسف وتاب على امرأ’ة العزيز ، وعادت كل آثار القصة إلى الخير والانفراج وإلى الفرح والسرور فكانت أحسن القصص .
كانت أروع مثال للقصَص الخالي من الإسفاف رغم الكلام عن مؤامرة وشهوة جنسية وأمور لو كانت في قصة من قصص الأدباء لبعثروا بها الحياء ولأراقوا فيها ماء المكرمات
وعن وصفها بأحسن القَصَص أيضاً ، يقول بعض المفسرين : قصة يوسف u من أولها لآخرها لا يوجد بها إسفاف ولو بكلمة ، كلها طهر ونقاء رغم الكلام عن مؤامرة وشهوة جنسية ورجل وامرأة وأمور لو حصلت في قصة من قصص الأدباء اليوم لبعثروا بها الحياء ونسفوا بها القيم ولذهبت بها الغيرة ولأراقوا فيها ماء المكرمات لكن الواحد الأحد هو الذي نزل كتابه . وفي هذا العرض الموجز للكتاب ( أعظمسجين في التاريخ ) لن نستعرض قصة النبي الكريم يوسف u كاملة بالطبع ، لأن المقام لا يتسع لها هنا ، ولكن سنحاول أن نعرض لبعض اللمحات والفوائد التي استخرجها المؤلف وأشار إليها .
ميّز الله نبيه يوسف u بميزتين الأولى أنه أعطاه أفضل نسب على امتداد التاريخ كما أعطاه نصف الحسن والجمال البشري لذرية آدم u
أشرف نسب في التاريخ البشري: يبدأ الكاتب بذكر أن يوسفu هو الوحيد على امتداد التاريخ البشري الذي يضم اسمه أربعة أنبياء في سند واحد متتابع ، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي "ذريةً بعضها من بعض" ، ولأن الله أراد أن يرزق هذا الطفل النبوة في المستقبل فلابد أن يمر بمحنة مبكرة ، وقد حدثت له وهو طفل عمره اثنا عشر عاماً ، حتى يتم تأهيله للنبوة ، وإلى جانب عطاء النبوة ، فقد رزقه الله الحسن حتى إنّ نبينا الحبيب r يقول عنه حين رآه في رحلة المعراج "قد رأيتُ يوسف - u - وإذا به قد أُوتيَ شطر الحسن" ، فالله تعالى قسم الحسن في العالم إلى نصفين نصف اشتركت فيه ذرية آدم u إلى قيام الساعة ، والنصف الآخر ليوسف u ، وهذا الشيء ميّزه الله به كما ميّز غيره من الأنبياء بصفات مختلفة .
لا تروِ الرؤيا الصالحة إلا لمن تحب: تبدأ القصة برؤيا يوسف وحديثه لأبيه عنها وإنذار يعقوب u ليوسف بأن لا يقص هذه الرؤيا على إخوانه ، ويستنبط الكاتب مصلحة شرعية من هذا النهي من نبي الله يعقوب u وهي أنه من كانت عنده رؤيا صالحة لا يقصها على من يظن منه ضغينة أو حقداً ، لأن بعض الناس يحسدون ، ومن كان في نعمة غير ظاهرة فعليه أن يكتمها إلا عمن يحب . ورغم نصيحة يعقوب u لابنه ، إلا أن هذا الطفل ببراءة قلبه وطهره يخبر إخوانه فيبدأ الغيظ في قلوبهم والحسد في نفوسهم ويبدأ الكيد والتخطيط لإيذاء يوسف u والتخلص منه .
قميص يوسف u كان محوراًً للقصة على امتداداها ورمزاً في ثلاث حوادث أساسية
يوسف u والقميص: يقول الكاتب أن يوسف قصته في القميص ، فإخوانه حين ألقوه في الجب ، أتوا لأبيهم وأعطوه قميص يوسف بعد أن جاءوا عليه بدم كذب ونسوا أن يشقوا القميص ويمزقوه ليبرهنوا على أنّ الذئب أكله فعلاً ، وكان القميص بذلك دليلاًُ واضحاً على كذب دعواهم . والقصة الثانية للقميص كانت عندما راودته امرأة العزيز ، وحين فرّ منها قدّت القميص من الخلف ، وكان القميص هنا أبلغ دليلاً على كذب دعواها ، حين أرادت أن تنفي عن نفسها التهمة وتلصقها بيوسف نبي الله u وتنتقم منه جرّاء عدم مجاراته لها . أما القصة الثالثة للقميص ، فكانت بعد أن عفا عن إخوانه وأمر بإرسال قميصه الذي فيه رائحته لأبيه u كبرهان وبشارة على وجوده حياً . فتتجلى عظمة ربك بأن جعل يعقوب u يشم رائحة قميص ابنه وهو في فلسطين ويوسف في مصر – عليهما الصلاة والسلام - ,
لا تكترث للنكبات: حين أُخذ يوسف u من سوق الرقيق إلى قصر العزيز في مصر عبداً مملوكاً ، كان في الحقيقة ذاهباً للقصر ليحكم هو ، وتأتيه النبوة بالقصر يحكم الدنيا من القصر ، فلذلك – يقول الكاتب – لا تكترث للنكبات ، ربما طريق الفوز والفلاح هو طريق المشّقة والعنت ، وهنا أُخذ يوسف u من السوق وكانوا به زاهدين ولم يحرصوا على قيمته لكن الله رفع قيمته على كل الناس في عالم زمانه وحتى يومنا هذا هو النبي الكريم ابن الأكرمين u .
فراسة عزيز مصر: حين وصل يوسف u إلى عزيز مصر وامرأته ، رآه العزيز فهاله المنظر ودهش وتعجب من هذا الإشراق وهذا الحسن وهذا الذكاء "وقال الذي اشتراه من مِصرَ لامرَأتِهِ أكرمي مَثْواهُ" أكرميه في المنام والطعام واحرصي عليه من دون باقي الرقيق الآخرين .. هذا له مكانة أخرى ، قال ابن مسعود t عند هذه الآية ، أفرس الناس ثلاثة : العزيز لمّا قال لامرأته أكرمي مثواه ، فهي فراسة وأتت فيما بعد أنه نبي وملك ، والثاني : بنت شعيب عندما قالت لأبيها عن موسى u "استأجرهُ إنّ خير من استأجرت القوي الأمين" ، والثالث : أبو بكر t حين اختار عمر بن الخطاب t للخلافة .
أمر Q غالب: "والله غالبٌ على أمرهِ ولكنّ أكثر الناس لا يعْلمون" هذه قاعدة وسنة ثابتة . قالوا : الله أمره يغلب على كل أمر وتنفذ مشيئته على كل مشيئة ، فمن ذلك أنّ يعقوب u قال لابنه : "لا تقْصُص رؤياكَ" فغلب أمرُ الله فقصّ يوسف u رؤياه ، وإخوة يوسف u أرادوا أن يقنعوا أباهم ويأتوا بعذر يقبله ، فما فُعل لم يقبل حجّتهم ولم يوافقهم على هذا العذر ، ومن غلبة أمر الله ومشيئته عزّ وجل أنّ يعقوب r أراد أن يحتفظ بيوسف فقال :"وأخاف أنْ يأكُلهُ الذئبُ" وأراد أن يمسكه عنده ويحفظه فغلب أمر الله فأرسلهُ معهم ، ومن أمره سبحانه أن أتى رجل آخر لشراء يوسف u فغلب أمر الله واشتراه عزيز مصر ليَدخل القصر ، واتهمته امرأة العزيز فغلب أمر الله فخرجت له u البراءة ، وسجنوه فغلب أمر الله عز وجل فخرج بريئاً ، وقال للذي معه في السجن "اذكرني عِنْد رَبكّ" أي : اشفع لي عند الملك فغلب أمر الله على يوسف فنسي .
الموقف العظيم والابتلاء الأعظم: بعدما أصبح يوسف u شاباً في قصر العزيز رغبت فيه امرأة العزيز وأحبته وتعلّقت به ، ومن عظيم الابتلاء أنّ يوسف u كان شاباً ، ثم هو أعزب ليس عنده زوجة حتى يُطفئ شهوته في المباح أو الحلال ، ثم هو غريب وكما يقول ابن تيمية : الغريب لا يأنف من العار ، ثم هو مدعو من المرأة فليس هو الطالب ، ثم هي جميلة وانظر إليها في بيت الملك وكيف يكون اختيار العزيز لزوجته إلا أن تكون جميلة باهية مغرية ، زِد أنه u لمّا دعته كانت ذات منصب ، وذات المنصب والجمال تكون مغرية أكثر ، فهي تتمكن من القرار وتتمكن من رفع العقوبة ومن كف الاعتداء عنه لو حدث ذلك ، وزد على ذلك أنها ذات مال فهي ثرية تملك الدراهم والدنانير والذهب والفضة والمجوهرات ، وزيادة على ذلك أنها غلّقت الأبواب وحاصرته من كل جانب .. حاصره الشباب والعزوبة والغربة والجمال والمال والمنصب وغلّقت الأبواب ، لكن هناك باب لم تُغلقه وهو الباب الذي بينه u وبين الواحد الأحد .
تُراود فتاها ! في هذه الآية نتلمس نظرة المجتمع للجرائم حين تتبدد القيم وتنحل الأخلاق وتنعكس المفاهيم ( وقد أتينا بهذه الفائدة من خارج الكتاب الذي بين أيدينا ) فالنسوة لم يلمن امرأة العزيز لأنها أرادت ارتكاب الفاحشة ، لا .. ولكنهن لمنها لأنها لم تتخير الشخص المناسب الذي ينبغي أن تمارس الفاحشة معه ، إنه فتاها – أي خادمها- إذاً هو ليس من مستواها ، وليس مكافئاً لها ، بل كان عليها وهي تمتلك مقومات الجمال والمنصب والمال والغنى والسلطة أن تتخير أشرف القوم وليس أوضعهم – حسب فهمهن – ومن هنا تغير مفهوم الجريمة الأصلية – الزنا – ( والتي لا يتغير حكمها إذا اختلف الشخص الآخر الشريك فيها من شريف إلى وضيع أو العكس ؛ لأن الجريمة تبقى واحدة ) إلى مسألة شكلية تتعلق بالمكانة الاجتماعية لأصحاب الجريمة فإذا كانوا من عِلية القوم فهنيئاً لهم بجرائمهم . وبنفس المبدأ وباللسان نفسه وبثقافة المجتمع ذاتها ترد امرأة العزيز عليهن بلهجة التحدي والثقة والتبجح ( بعد أن جعلتهن يرين يوسف u ) "فذلكنّ الذي لُمتُنني فيه" فهي تعلم أيضاً أنهن لُمنها في الشخص وليس في المراد منه . وهي في ردها عليهن تعلمهن أنهن أمام واقعة استثنائية للغاية بلغ فيها الحسن والجمال مبلغه الذي لا يُتخيل ، ومن هنا تغلب على اعتبارات المكانة الاجتماعية التي لا تكاد تساوي شيئاً بجانبه ، وقد نجحت في إيصال رسالتها ( وتبرئة موقفها ) واعترفن لها فعلاً وقولاً بسلامة نهجها وحُسن اختيارها . "...فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ 31 قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ".
يوسف u والمنصب: طلب الملك بعد أن فسّر له سيدنا يوسف u رؤياه أن يستخلصه لنفسه ولم يقل أجلعه مستشاراً أو وزيراً ، وإنما قال "أستخلصُه لِنفسي" وفي هذا ما يدل عل مدى قربه من الملك والدولة ، وقد أتبع الملك ذلك بما يؤكد مكانته u "إنّك اليوم لدينا مكينٌ أمينٌ " ، وهذا يتخطى أعظم منصب في الدولة بعد الملك ، فهو أعلى من وزير ومن رئيس وزراء ، لقد حصل على التمكين المطلق غير مقيد ، لكن يوسف u نفسه خصّص لنفسه وطلب الخزانة تحديداً ورفض صلاحيات التمكين الواسعة واختار لنفسه التخّصص الذي يجيده ويستطيع أن يبدع فيه ، فوضع نفسه في المكان المناسب ورفض ما زاد على ذلك ، فهو لم يطلب الإمارة والمنصب لسبب بسيط هو أنهما كانا قد منحا له بالفعل ، ولكنه طلب التخصيص والتقييد وتحديد إطار العمل وهذا من التواضع أولاً ، ومن الأمانة ثانياً لاكتفائه بما يصلح له .
إلى هنا فالمصدر: مجلة الحج والعمرة العدد الثالث ، شهر ربيع الأول لعام 1428هـ
يوم اللقاء : كان إخوته u ووالده يعقوب u يعيشون في فلسطين ، فبدأت الدول المجاورة لمصر تعاني من الجوع ، فيذهبون إلى أخيهم في مصر ، أنظر إلى الذي ظُلم من إخوته وصبر على ظلمهم ، كيف أعزّه الله العزيز لأن الله جلّ في علاه يقول : "إنّ العاقبةَ للمتقين".وفي ذلك اليوم يوم اللقاء الذي خطّط فيه u خطة عظيمة للقاء أخاه ، ذلك اليوم كان يوم العفو والصفح عن إخوته الذين ظلموه ، وحدث بعد كل تلك السنين لقاء الأب بابنه لقاءاً حاراً جليلاً ، فُسرت فيه رؤيا النبي الصالح بالحق . وانتهت قصته u بتوبة الجميع ، ولقيا سُر الجميع بتا ، وخير ونعيم عظيم لأهل مصر ، بهذا الاقتصادي النابغ ، وهنيئاً للجميع بتوبة العزيز الرحيم وصلوات الله وسلامه على يوسف وأبيه وعلى النسب النبوي الشريف ، وأفضل الصلوات وأتم التسليم على المبعوث رحمةً للعالمين نبينا ، خاتم النبيين وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
أحبتي .. والله قد تعبت وأنا أسجل هذه الكلمات العظيمة وأنا أنقلها لكم من المجلة .. فأريحوني بدعواتكم الطيبة .
^_^ والسلام خير ختام ^_^
قال رسول الله صلى الله عليه وآلـه وسلم :
" طوبى لمَن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا " رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني .
حياك الله وعظم لك حسن الاجر والثواب على هذا الجهاد في نشر الكلمة الفاضلة والعبرة الجميلة المفيدة وانني والله اعرف القصة من التفاسير ومن كتب قصص الانبياء ولكن بهذا الشكل الجميل والاستيفاء الكامل لتوضيح جماليات القصة فانه اروع من الروعة ولها اثر طيب ورقيق على قلوبنا مما يستشعر قلبي فيها ببديع خلق الله سبحانه جل شأنه وعظمت قدرته
أختي المجاهدة بارك الله فيك وفي جهودك قصة يوسف عليه الصلاة والسلام لونقف معها وقفات لطال الحديث وأذكر نبذة يسيرة يوسف مع إخوته 1- أن الأخوة يحدث بينهم من الغيرة التي يصل الحد إلى القتل (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ{8} اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ{9} 2-موقف يوسف عليه الصلاة والسلام في نهاية المطاف والصفح عن إخوته لم يلق باللوم عليهم أو يجرح مشاعرهم ولو بالتذكير فقط عما فعلوا به من الإلقاء في الجب وغير ذلك من المآسي التي حدثت له إكتفى عليه الصلاة والسلام بقوله ( .. وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{100}) (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) وكأن الشيطان هو الملام وحده فيما حدث له