هذه قصة من نسج خيالي ولكن قد تكون بعض أحداثها ملامسة للواقع الذي يعيشه إخواننا الفلسطينيون..أرجو أن تنال إعجابكم..
زغاريد تنطلق من حناجر الأمهات كالمدفع لتعلن استمرار تصديها للعدوان الغاصب..و(الله أكبر) تعلن انتصارها على بقية الأصوات..قادمة من مكان ليس بعيد..قادمة من مجموعة من الفتية يحملون على أكتافهم جسد الشهيد..كل ذلك يحدث ومحمد يشاهد من قريب.. فالمشهد ليس غريب..يطل برأسه من نافذة ذات ستائر رسم عليها نقش جميل..أو هي بقايا ذكرى من صنع يدين اشتاق لهما الحنين..محمد ذلك الطفل الذي لم يترك له الأعداء الأم الرءوم ليبقى بين أحضانها سوى سبع سنين..ليبقى وهو في سن التاسعة يصارع الوحدة والقهر بقية حياته..يتجرع المعاناة والألم دون معين..
يلتفت بوجهه الصغير وعينيه الحادتين إلى ذلك الجدار..الذي يمتد على مدى الأنظار..ذلك الجدار الذي يمثل خطاً فاصلاً بين الجنة والنار..الجنة التي يعيش الأعداء وسطها..من الخضرة تكسو المكان..وضحكات أطفال تملأ متنزهاتهم.. والنار التي ينكوي الفلسطينيون بحرها من فقر وجوع أو من قنابل ورشاشات تؤرق نومهم..وتقلق راحتهم..
-محمد تعال حبيبي ساعدني نجهز الغدا قبل ما يجي عمك..
-حاضر خالتو..
كان ذلك صوت خالة محمد التي تكفلت هي وزوجها بتربية محمد بعد وفاة والدته..لم يكن لخالة نهاد أولاد..فكان محمد بمثابة ابن لها يعوضها عن الولد..
-محمد إنت عارف إنو بعد بكرة بدك تروح المدرسة ..
-إيه؟؟
-طيب مشان هيك بدك تروح مع عمك تشتروا أغراض المدرسة..
-صحيح..هلا بدي روح غير ملابسي وأجي..
كانت فرحة محمد عارمة..فالمدرسة بالنسبة له مخرج من وحدته وألمه..حيث يخرج مع منهم في سنة يلعبون ويدرسون..وربما يتشاكون..فيجد من محنته أشد من محنته..فهذا أبوه قد أخذ منه المرض كل مأخذ وليس هناك علاج ولا طبيب..وهذا فقد إحدى أطرافه فلا يستطيع اللعب معهم كما يريد..وغيره الكثير..
حل المساء..ومحمد يتساءل في نفسه هل سيجد أصدقاء مثل أصدقاءه في مدرسته القديمة..هل سيعيش نفس الرعب الذي يعانيه كلما عاد من المدرسة في الظهيرة..هل سيجد من يشاركه معاناته التي يعيشها..يقطع تساؤلاته صوت طرق الباب..يخرج رأسه مع تلك النافذة..اعترت ملامح وجهه الدهشة..فمن سيأتي في هذه الساعة المتأخرة من الليل..ومن هذا الرجل..سترك يا رب..ولكنه لمح شيئاً أبيض ناوله الرجل الغريب للعم أحمد..يبدو أنها رسالة..
هم محمد بالخروج إلى الصالة لسؤال العم عن ما يحدث..ولكنه عندما سمع صوت اقتراب خطواته..آثر البقاء في الغرفة والاستماع من بعيد..فالأمر يبدو خطير..
فتح محمد الباب فتحة تمكن ضوء الصالة من الدخول..لتشارك ضوء القمر الذي أكسب المكان جواً من الهدوء والراحة..ولكن أنُا للنفس أن تهدأ وفي يد العم ما يقلقها..ألصق محمد أذنه بالباب وسمع صوت خالته وهي تهمس للعم أحمد..هل هي رسالة من صالح؟؟
زادت عينا محمد اتساعاً..
-رسالة من والدي؟!!
زاد فضوله لسماع المزيد..كيف لخالتي أن تعلم بأن هذه الرسالة من والدي؟؟هل يعقل أن يكون لديها المزيد من الرسائل منه ولم تطلعني عليها..لا..لا يمكن..
-نعم إنها من صالح..
-هيا افتحها ماذا تنتظر؟؟
-ولكن هل محمد نائم؟؟
-نعم..
-حسناً..
يفتح العم أحمد الرسالة بينما محمد يكاد يفقد صبره..فما الذي يخبئونه عنه يا ترى..رغم علمه بأن والده معتقل في السجون الإسرائيلية منذ ولادته..إلا أنه لا يعلم أن له رسائل تستلمها خالته بعد أن كانت والدته تقوم بذلك..
بسم الله الرحمن الرحيم..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..أما بعد..
أردت أن أسلم عليكم جميعاً..وأخبركم أنني في أتم صحة وعافية..فكيف هي حالكم وكيف أحوالكم؟؟
إنني مشتاق إلى محمد وإلى صوته..فكيف هي أخباره؟؟هل يشبهني؟؟أظنه سيدخل الصف الثالث الآن..أتخيله بلبل في الرياضيات..ها قد أصبح ابني الذي لم أره رجلاً الآن..ولكن فرج الله قريب..فسترونني بإذن الله قريباً مع من سيفرج عنهم أخيراً..أخيراً سأراكم..أخيراً سأحمل محمد بين يدي..أقبله..ألمسه..
أمسح على رأسه..لقد تركته يعيش سنين حارماً إياه حناني..ولكني سأعوضه عند عودتي بإذن الله..
حقيقة لا أجد لكم من الكلام ما أعبر به لكم عن شوقي وحبي..ولكن أملي عند الله كبير في أن يجمعني بكم في الدنيا..وإن لم يكن ففي الآخرة في جناته..أسأل الله أن يحفظكم ويجمعني بكم..
مع خالص حبي..صالح
كانت كلمات والد محمد تنزل عليه كماء بارد..يسقي فؤاده المتعطش للحنان..الحنان الذي فقده منذ سنين..ودموعه تنسكب على وجنتيه..كشلال لا يتوقف..ينعكس عليها ضوء القمر ليعطيها صفاء ونقاء..
لتتركه ينعم بعدها بنوم مليء بأحلام اللقاء..
إنه أول يوم من أيام المدرسة..توقظ خالة نهاد محمد من النوم..ليرتدي ملابسه استعداداً للذهاب..
قرر محمد أن لا يخبر أحداً بما سمعه تلك الليلة..تناول إفطاره..وحمل حقيبته..ثم انطلق كالنسر يسابق الخطى نحو المدرسة..فلم يبقى على الأذان سوى القليل..ومشوار المدرسة طويل..
يقابل صديقه خالد الذي يسكن في نفس عمارته..يبتسم له..فقد وجد من يؤنس وحشة الطريق..انطلق الاثنان والدنيا تضحك لهما..وفي باطنها شر عميق..يمشي الاثنان معاً لا يعلمان بأن هناك من في قلبه نار تشتعل حريق..يقتربان..يسمع خطواتهما..يكشر عن أنيابه..ويندفع نحوهم وبيده رشاش يصوبه نحو خالد..يفرغ في رأسه رصاصة..توقعه على الفور صريع..يصرخ محمد وكله غضب يتجه إليه مسرعاً صافعاً إياه غير مبالي بما سيلقاه من مصير..لتستقر في صدره رصاصة معلنةً انتهاء معاناة دامت لوقت طويل..ليصيح بعدها..وداعاً يا أبي في جنة النعيم..
ينطلق صوت الله أكبر من مئذنة مسجد قريب..لتعلن بدء يوم جديد..
نم يا محمد نومة الشهيد..نم واحظ بجنة الخلد..عند رب مجيد..