المنتدى   المدونة   الكلمات الدلالية
                   
  #1 (permalink)  
قديمة 22-07-2006, 12:19 PM
.+[ متميز جديد ]+.

 
تاريخ الإنضمام: Jun 2006
الإقامة: كنت هنا .. ومضيت
المشاركات: 2
معلومات إضافية
السمعة: 3000
المستوى: العذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond reputeالعذوب has a reputation beyond repute
الجنس: female
علم الدولة:
الحالة: العذوب غير متصل
افتراضي .. مسافر ذو ظروف خاصة...

ملل ، رتابة، وتأفف يزداد مع كل ثانية، مع أني مسترخية على مقعدي الوثير هنا إلاأني أسمع تلك الهمهمات القادمة من الدرجة الاقتصادية في الطائرة، تأخرنا على الاقلاع، شعرت بصعوبة الوقت عليهم وأنا أرى المضيفة تبتسم بتكلف وهي تعتذر مجددا لذاك الألماني في أول صف الكراسي..
يااه، يتسلل لي الشعور بالوحدة ثانية، هاهو الكرسي بجواري فارغا، اعتقدت أن الأقدار ستجود علي برفقة ما في الطائرة وخابت ظنوني، تحسست الكرسي الفارغ بعينيّ وتذكرت (بيونكا) تلك الأوربية التي جاورتني في رحلة الوصول لميونخ، هذه المدينة الكسولة، المثقلة بالعجرفة الألمانية، وبالبيوراقراطية التي لا تنتهي، أتذكر (بيونكا) التي لم تكن ألمانية فعلا، كانت من (النمسا) أو أوستريا الاسم الأجنبي لتك الدولة التي لم أعرف لماذا غيّر العرب اسمها ؟ وقررت بيني وبين نفسي زيارتها يوما، ولم لا وأنا المسافرة من جرحي ،لى غربة مع المدن لا أعرف مداها..
أنظر مرة أخرى للكرسي، أتلقف حزني الصامت الذي يغمرني بداية كل رحلة من رحلاتي، الاضطراب الخفي الذي لا أعرف أين يتنهي بي، الحزن الشفيف يغلفني بروح من الألم، أبحث عن نفسي فأتوتر، أبدأ بممارسة أسوأ عادتي "فرقعة الأصابع" يرتفع صوت المفاصل وهي تتلوى في كفي، أفتح غطاء رأسي ، أجذب شعري خصلة وأخرى، ألملم الشعرات التي تناثرت لتغمرني رائحة "المخمرية" ذاك الطيب المعجون بأصالة جدتي التي أورثتني حبه، كانت تردد:"العطر يجلو الحزن، خبئيه في شعرك، عطري خصلاتك بالمخمرية، وحين تشعرين بالضيق افردي الخصلات، ستنعشك الرائحة" أنثر المخمرية حولي، أزدهي بهذه العادة، وبهذا الشعر الأسود الطويل ، أحب طوله برغم التساقط الذي أعانيه، أحب سواده برغم كل نصائح شما صاحبتي بأن أصبغه:" غيري لونه مهرة، أضيفي بعض الخصل الحمراء، سيشرق لون وجهك، وسيبدو شكلك أكثر شبابية"، يال شما المسكينة:"شبابية أم طيش؟!" ، شما هذه قطعة حلوى من آخر الكون جاءت إلي، متمردة على كل شيء، وصاخبة حتى بنظراتها، حاضرة في كل احتفال ومبهجة في كل لحظاتها، تحضر دوما دون دعوة، هي أقرب مني إلى نفسي، وأبعد من كل الغرباء عن أفكاري المجنونة.. ودعتها ذات مساء في أبوظبي ورحلت لدبي ومنها لميونخ، في رحلة من رحلاتي التي لا تنتهي، أخبرتها بأني أجد في السفر راحة من هموم الذات، وإعادة لشحن ذاتي التي صارت تئن بسرعة تحت وطأة المسؤوليات والأشغال التي لا تنتهي..
شما التي احتضنتني وقالت:" حفظك الله، لكم أحلم بأن تجدي ذاتك مرة أخرى، وتستقري هنا في أبوظبي التي تحبك وتعشقينها دون سفروغربة واختفاء، هنا يا مهرة مكانك، لا يجب أن ننجح في الحب، يكفي فقط أننا كنا أوفياء كي نكافئ أنفسنا بالاستقرار النفسي"..
الاستقرار النفسي، رنت هذه الكلمة كثيرا داخلي، قلبتها بين عبارات (شمايه) كما أحب أن أدللها في لحظات الصخب الطفولي حين تجتاحنا معا فنصرخ ونهلل ونتسابق على كورنيش أبوظبي فرحتين بخطوات الرياضة المسائية، رنت هذه العبارة ممتزجة بضحكة بيونكا الاوروبية التي رافقتني في الطائرة إلى ميونخ، تلك الشقراء التي ضجت بالحكايا عن دبي ومضت تتساءل عن كل تفاصيل تلك المعشوقة لدى الكل والعادية جدا لي، أنا التي أجاهر بحب أبوظبي وحدها وتتربع هذه الآسرة على كل المدن لندن، باريس ، ميونخ، امستردام وجنيف وغيرها من الرائعات، أجدها الأقرب والأروع دوما وأبدا..
أفيق مذهولة على سخط أحدهم، صرخ بانجليزية تتعثر بالفرنسية: هذا استهتار، تأخرنا أكثر من ساعة، لم نقلع بعد، لدينا من المواعيد ما يكفي..!
جاءت المضيفة راكضة، حاولت التماسك وهي تقول: سيدي، هناك الكثير من الثلج تجمع على أجنحة الطائرة، ليس في يدينا أي شيء هذا التأخير خارج عن ارادتنا..
يال هؤلاء البشر، لملمت المتناثر من شعري، وأنا أشتم آخر بقايا المخمرية، لففته بسرعة تعودت عليها منذ طفولتي، بدت خصلاتي كأفعى تنثني في يدي أدرتها مرات قبل أن أصنع منها شينون أثبته بمشبك أسود..
رفعت نظري للأمام، أبحث عن شيء أغرق أفكاري حوله عوضا عن هذا الكرسي الفارغ القابع بجواري أنظر للأجساد المسترخية في كراسي الدرجة الأولى حولي ، أرى الشعر الأشقر يحيطني والأعين الزرق والخضراء تختلس النظر إلي، نظرات اعتدتها منذ اعتدت السفر وحيدة أجر حقيبة سوداء وأحمل في قلبي أشياء أخرى أكثر من مجرد فقد انسان أو تقيح جرح لا يبرئ..
جاءت المضيفة تهرول باتجاهي، جلست متقرفصة أمامي وابتسمت لتندفع عباراتها المهندمة كالسيل: عفوا سيدتي، أعلم أننا تأخرنا في الاقلاع، أرجو منك فقط أن لا تنزعجي.. لم أستطع فعلا أن أخفي انزعاجي، فالرحلة ستطول ست ساعات أخرى، وكنت قضيت ساعة في الطريق للمطار من ميونخ، بدا وكأن يوما كاملا سيمر من عمري دون انجاز، لكني لم أستطع توبيخها فليس الذنب ذنبها في النهاية، إنه الثلج ، ذاك الزائر الأبيض الذي يحاصر كل شيء هنا حتى أوقات الناس.. تملهت محاولة ضبط انفعالي:"لا بأس، لكن أتمنى أن لا يطول الوقت أكثر" تباعدت عبارات حديثها وقالت وهي تلغم صوتها بنبرة ترجي: سيدتي، أرجو أن تسمحي لي بنقل مسافر من أول الصف لجوارك، إنه متعكر جدا بسبب ظروف خاصة، وقد أبدى انزعاجه لأن جاره بدأ يسرف في الشرب، هل لي بنقله هنا..؟! أعتذر للازعاج سيدتي لكنه المكان الوحيد الفارغ في هذه المقصورة..
كانت تترجى بلبقاة، ولم يكن المقعد الفارغ في كل الأحوال ملكي الخاص، لم أجد بدا من السماح لذاك المسافر ذو الظروف الخاصة بالجلوس بجواري، ولاحت في خاطري بيونكا مرة أخرى، ثم تذكرت أني لم أترافق مع رجل في رحلة سفر منذ قصدت باريس قبل سنتين حين رافقني ذاك الجزائري الفرنسي كريم الذي تحدث دون ثرثرة لست ساعات محاولا أن يتعرف على كل ما فاته من تعاليم الاسلام وتاريخ العرب في تلك الساعات الست، كان كريم ينظر إلى نظرات ملؤها الامتنان ويحاول تدوين أغلب ما أذكره له من أمور، رآني كمن وجد منجم ذهب لا يستطيع تركه، تبادلنا العناوين الالكترونية، وفي صباح اليوم التالي أرسل كريم رسالة لبقة يطلب فيها معلومات عن الزكاة في الاسلام، هذا الكريم الذي أصبح يرسل لي رسالة كل أسبوع كان آخر رجل قادته الصدف للجلوس بجواري في طائرة تخترق السحاب، ترى ماهو شكل القادم "ذو الظروف الخاصة"؟
لم يستغرق الأمر طويلا، ارتفعت قامة شاب من أول الصف، نظرإلي نظرة واحدة وهو يحمل معطفه الجلدي البيج على ذراعه، بدا مهيب الخطوة وهو يخطو في الممر الذي يوصل إليّ أنا، أشعرتني تلك النظرة الخاطفة بالارتباك، ندمت لأني سمحت للمضيفة بنقل تلك الظروف الخاصة للمقعد المجاور، لوهلة تمنيت لو لم يكن هو الشاب المقصود، لا أعلم لم أو كيف، لكن الارتباك تلبسني بغرابة، بدت خفقات قلبي تزداد، حاولت التملص من التوتر الغريب، جعلت استرق النظر للنافذة، أتأمل الثلج المتوزع من بعيد حول المدرج، أحسست بأن الشاب اعتدل في جلسته، واستغرق في غلالة من الصمت المهيب، نسج ذاك الشاب من ألمه شبكة أحاط بها نفسه وتدثر بها جيدا كي يحتمي بخوفه عن التواصل مع الآخرين..
حقيقة لم يزعجني هدوءه، وربما أصدق إن قلت بأني تمنيت أن يبقى هادئا، خاصة وأنا أستشف من ملامحه أنه خليجي أو بالأصح اماراتي مثلي، مع انه بدا أصغر مني عمرا لكن كانت له هيبة جعلتني أقشعر، ابتعلت ريق الرهبة ولم أحاول الالتفاف إليه حتى، بادر هو بالحديث، لم يقل إلا جملة واحدة: شكرا لسماحك لي بالجلوس هنا، رددت بسرعة: على الرحب سيدي.. ثم تلحف هو بالصمت والتفت أنا أكمل انشغالي بالثلج..
ارتفع صوت الكابتن يعلن أننا نقلع ارتفع كتفاي وزفرت :"الحمد لله، أخيرا"، قال رفيق السفر الصامت: أعتقد أني أتحمل جزءا من ذنب هذا التأخير.. أعتذر منك أنت على الأقل.. لم أعرف بم أجيب، تمهلت وقلت: لا بأس .. لم أزد على عبارتي، وقتلت فضولي بطريقة قاسية وأنا أحصر ردي بكلمتين فقط، أحسست أن لدى هذا الصامت أشياء كثيرة تستحق أن تقال، بل يجب أن ينطق بها ويمزق ستار الصمت المثقل بالحزن هذا.. لم أعرف كيف أبدأ حوار آخر .. فآثرت ارتداء الصمت مثله .. والانكفاء هنا وراء نافذة الطيارة مراقبة ابتعاد الأرض عن ناظري واقتراب السماء لجواري ..
رفيق السفر هذا، بداخله حزن لم ينضج لمرحلة البكاء، أشتم الحزن مثلما أشتم العطر، لأني عرفت الحزن كثيرا أصبحت أدرك رائحته وأعرفها جيدا، استرقت نظرة لوجهه الحزين، التقت عيناه بعيني، فتجمهر الكثير من الألم في مقلته، وبدأ صراع داخلي من نوع خاص ، لم يقدر أن يتنفس حتى فاخترت مجلة من مجلات الطائرة وبدات بتقليب صفحاتها لائذة بتأمل منتجات السوق الحرة عن هذا الشاب ..
لي مشكلة لا أعرف كيف أصل لحل جذري لها، كيف لي أن أتخلص من احساس المسؤولية بمن هم حولي، قالت لي أختي يوما: " أنتي أمي الحقيقة، لم أشعر أنك أختي في أي يوم، ليت أمي اهتمت بي مثلك"..
كيف أمتنع عن الاهتمام بهذا الشاب الذي لا أعرفه ولا يجمعني به إلا كرسي الطائرة التي ستهبط بعد عدة ساعات لتنهي هذا الرباط ..!
غلبني الفضول أو ربما احساس المسؤلية فالتفت باتجاهه ، لم أرد الحديث معه بقدر ما أردت أن أطمئن عليه، كان قد أسند رأسه على الكرسي بتراخ واضح وأغمض عينه بينما سالت دمعة لم تبتعد كثيرا عن جفنه المغلق، وبدا احمرار الأنف دليل واضح بأن الرجل كان يبكي بينما كنت أتأمل المجلة هاربة منه..
فاجأني وفتح عينيه، احسست بارتباك فالتفت للنافذة، اعتدل وقال لي: أختي لو سمحتي .. هل لديك دواء للصداع؟.. بدأت اتحرك بدون وعي: أهاه .. للصداع.. نعم لدي في حقيبة يدي .. لكن ما أحمله له مفعول منوم .. هل يناسبك ؟
أجاب : هذا أفضل.. لم أذق طعم النوم منذ ليلتين .. وينتظرني ارهاق كثير في الوطن.. هل لدوائك مفعول فوري.. قد يكون من المناسب أن أنام لعدة ساعات أخرى..
اعطيته الدواء وأخبرته أنه مسكن له مفعول منوم وليس دواءا للأرق.. ويبدأ مفعوله بعد نصف ساعة من تناوله .. ثم عدت لتأمل المجلة التي مازالت في يدي.. أحسست بأن آهة انطلقت من ذاك الرفيق الذي بدا لي أن مجرد وجوده بجواري صار يؤلمني، هكذا أنا لا أحب الهم وأهرب من الحزن، ابحث عن الفرح وأسافر له عبر مسافات الحياة، منذ انفصل والداي في طفولتي السحيقة ثم استقل كل منهما بحياته وتركاني في رعاية جدتي وأنا حبيسة الحزن والألم، كل طفل يمشي بين والديه كان يجرحني دون أن يدري، كل أم كانت تحتضن طفلتها في يوم الأم في المدرسة كانت تصفعني من حيث لا تعلم، كان أقصى طموحي أن يوصلني والدي لمدرستي بسيارته يوما ما.. وكان العجز عن تحقيق هذه الامنية التافهة هو ما يجعلني طريدة الألم كل مساء يبحث عني ليوغل قلبي باحساس الوحدة والحرمان..
جدتي كانت حضني الدافئ الوحيد، وجدي كان معلمي الأول، أختي الصغيرة رفيقة دربي أما أمي فكانت تزورنا على عجل كل صيف بعد أن سافرت مع زوجها الجديد لأوروبا حيث يعمل ديبلوماسيا هناك، ووالدي كنت أقبله في الأعياد وتدس زوجته بعض الحلوى في جيبي كلما التقيت بها معه..
العطاء المادي من كلا والديّ لم يعوضني أبدا الحرمان العاطفي منهما، كنت أشبه باليتيمة التي تغدق عليها الهدايا، لكني لم أكن أبدا سعيدة، أعيش مدللة أكثر من فتاة في سني، مع أن تفاهات الموضة لم تجرفني بقدر ما انجرفت وراء العلم، كانت الدراسة همي الأول، تخرجت بأعلى المعدلات وثابرت على تعلم اللغات واتقانها، أتاح لي عملي في تنظيم المؤتمرات الكثير من فرص السفر فعشقت التجوال، عشقت الارتحال ووجدت في الطبيعة والتعرف على الناس والاهتمام بقضاياهم الكثير من التسلية والمتعة، وأدركت أني أهتم بالآخرين لأني كنت لسنوات طويلة أبحث عن من يهتم بي ويدللني بتواجده بجواري، يحتضن همي ويمسح دمعتي ويربت على كتفي لأني قضيت سنوات طويلة وأنا أسند ذراعي على الجدار كلما أبكي ..!!
قد يكون هذا الاحساس الذي تلبسني هو ما يدفعني للاهتمام بالناس وتقفد أوضاعهم دوما، لي احساس عظيم بالمسؤولية تجاه أختي وصديقاتي وعملي، أجد بتواصلي معهم والمساهمة في حل مشكلاتهم منفذا لي يساندني في تخطي أزمة الحرمان التي عانيت منها طويلا.. وما أن بدأت أتخلص من الحزن حتى كرهته من أعماقي وبدأت أهرب منه لدرجة أني لا أستمع لأي أغنية حزينة، ابتعدت كثيرا عن المواقف المؤثرة مع أني أتواجد دوما حول صديقاتي في أحزانهن ..
مرة اخرى التفت له.. كدت أن أسأله عن سر دموعه.. تمالكت نفسي، وكأنه هو من أحس بي.. قال لي وهو مغمض عينيه: لم أنم للآن.. حاولت أن أتجاهل عبارته لكنه استدرك: يبدو أن كل الأدوية لن تنسيني .. ان مابي لا يحتمل..
فتح عينيه وقال لي : اسمحي لي أن أبكي بحضورك، فأنا لا أستطيع البكاء في حضور أي انسان.. انه والدي .. توفي والدي وها أنا أعود به مسجى في تابوت مع الشحن، كان يجلس بجواري ونحن قادمان لميونخ، تذكر كل الراحلين ومن مروا في دنياه تحدث كثيرا عني وعن أبنائه الذين مازالوا صغار في عينيه برغم أن بعضهم قد وصل لأبواب الجامعة ، أبي الذي رباني منذ صغري وعلمني كيف أصارع الوقت والحياة رحل، رحل في بلد غريبة لا يعرفها ولا تعرفه.. وجعلني رحيله أقف مكتوف الأيدي لا أستطيع أن أصدق أن الرجل الذي صنعني ينام في تابوت مع الشحن بينما أجلس هنا في الدرجة الأولى مستمتعا بالبرودة وابتسامات المضيفات..
فجّر حديثه شجنا لم أستطع تداركه، هذا الرجل الذي يجلس بجواري يحمل في صدره حب عميق لوالده ، بينما ظللت طوال عمري محتارة في تصنيف احساسي تجاه أبي الذي لم أره منذ قرابة العام الآن، كنت أسأل نفسي وهو يتحدث هل كان يضير أبي لو حملت له أنا نفس احساس هذا الشاب، عوضا على أن يصبح وجوده في حياتي مجرد اسم احمله وأنا لا أعرف شيئا عن تفاصيل حياة صاحبه سوى رقم هاتف مخزن في ذاكرة جوالي تحت بند " أبوراشد" وراشد هو اسم أخي أول أولاده من زوجته الثانية وهو الآخر اختفى من زوايا ذاكرتي منذ طفولته ..
انهمرت دموعي دون أن أدرك، فتلقفتني عينا الشاب مرة أخرى، قال لي : أرجوك لا تبكي، فأنا لا أحتمل دموع الأنثى، ولا أعلم كيف سأواجه والدتي وأخواتي الصغيرات بعد غياب الوالد، بل كيف سأتدارك حجم الأسى الذي سيترك نفسه في البيت لسنين قادمة..
أجبته وكأني كنت أحتاج لمساحة بوح عن أهلي أمام شخص لا يعرفني ولا أعرفه: اعذرني، أنا أقدر حجم الألم الذي تعيشه واستشعره، لكني فقط أحاول أن أسأل نفسي لم تركني والدي مبلدة الاحساس تجاهه، تخلى عني منذ طفولتي البعيدة ولم أعد أعرف عنه وعن حياته شيئا، صدقني أنا لا أعرف لو بلغني نبأ وفاة والدي يوما هل سأجد في داخلي له كم من الحب يمكن أن يسيل دمعتي لفراقه؟ أنا أبكي لأن والدك أحاطك بحنان استحق معه دموعك، ولأن والدي تركني في حرمان لم تعد ترويه دموعي ..
من وراء ضباب الدمع مد لي يده بمحرمة وقال لي برجاء: امسحي دموعك، واتركي الحزن وراءك، وأنا سأكفر عن خطيئتي حين أبكيتك بأن أحاول تناسي الموضوع وأؤجله لأرض الوطن ..
وقع حديثه موقع استحسان في قلبي الصغير ، أخذت المحارم وسألته محاولة الخروج من حالة الحزن التي انتابتني: إذا كنت في ميونخ للعلاج؟! هز رأسه مواقفا وتابع: كانت هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها ميونخ، تطورت حالة والدي بسرعة غريبة ولم نعرف أنه مريض إلا بعد انتشار المرض، تعرفين أخطاء التشخيص الطبي لدينا، كان والدي أحد ضحاياها..
سألته وفي داخلي قرار بأن أجره للحديث عن شيء آخر بعيد عن والده: تبدو طالبا في الجامعة ،أليس كذلك..؟ أجاب بابتسامة: أنا أكبر اخوتي أنهيت الجامعة منذ عدة أشهر، لكني لا أعمل للآن.. أعتقد أني سأتولى إدارة شركة الوالد رحمه الله بعد ما حصل ..
تحدثنا طويلا إلى أن بدأ يتثاءب ، ضحك وقال: يبدو أن دواءك يصل متأخرا .. اسمحي لي بالنوم ساعتين قبل أن نصل .. تركته يستغرق في نومه بينما كنت أشاهد فيلما من مكتبة أفلام الطائرة.. بعد ساعتين بدأنا نستعد للهبوط.. استيقظ وبدا متوترا نوعا ما فلم أشأ أن أحدثه.. حين وصلنا رفع معطفه على ذراعه وقال لي: شكرا يامن لم أعرفك على الرحلة اللطيفة .. الحمد لله على السلامة..
كان هو أول النازلين، حين اختفى من باب الطائرة أحسست بأن هناك شيء يربط احساسي به لا أعرف ماهيته، هذا الشيء هو الذي دفعني للحديث معه في البداية.. حملت حقيبتي في يدي وبحثت عن هاتفي وأنا أمشي أولى خطواتي على أرض المطار..
ختمت جواز السفر وجلست أنتظر حقيبة ملابسي وأنا أحاول العثور على شبكة للاتصال، اتصلت بشما صاحبتي التي اتفقت معها على أن تنتظرني في المطار حين أصل و قبل أن يرن هاتفها على طرف الخط الآخر لمحت تنبيها بوصول رسالة.. فتحتها لأجدها من أختي:"مهرة.. نحن في انتظارك في المطار.. توفي والدي في ميونخ،راشد أخي يعود بجثمانه على نفس الرحلة التي تصلين بها .. اتصلي بي"...!!



العـــــــذوب
فتحية البلوشي
ميونخ مارس 2006
قديمة 24-07-2006, 02:43 AM   #2 (permalink)
.+[ متميز فــذ ]+.

 
tab
صورة 'النمر' الرمزية
 
تاريخ الإنضمام: Sep 2005
الإقامة: سعودية عريبية
العمر: 23
المشاركات: 292
معلومات إضافية
السمعة: 3080
المستوى: النمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond reputeالنمر has a reputation beyond repute
الجنس: male
علم الدولة:
الحالة: النمر غير متصل
افتراضي رد: .. مسافر ذو ظروف خاصة...

شكرا لك اختي على الموضوع الجميل

وجزاك الله كل خير


اخوك /النمر

نمـــــــــــــــــــوور
 
قديمة 24-07-2006, 12:44 PM   #3 (permalink)
.+[ متميز فــذ ]+.

 
tab
صورة 'الزعابيه' الرمزية
 
تاريخ الإنضمام: Jul 2006
الإقامة: دار زايد
المشاركات: 265
معلومات إضافية
السمعة: 3000
المستوى: الزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond reputeالزعابيه has a reputation beyond repute
الجنس: female
علم الدولة:
الحالة: الزعابيه غير متصل
افتراضي رد: .. مسافر ذو ظروف خاصة...

مشكوره على الموضوع الجميل
 
قديمة 27-08-2007, 04:42 PM   #4 (permalink)
.+[ متميز فــذ ]+.

 
تاريخ الإنضمام: Aug 2007
المشاركات: 308
معلومات إضافية
السمعة: 100
المستوى: أبو خالد999 will become famous soon enoughأبو خالد999 will become famous soon enough
الجنس: male
علم الدولة:
الحالة: أبو خالد999 غير متصل
افتراضي رد: .. مسافر ذو ظروف خاصة...

شكرا على القصة

أ+ب+و+خ+ا+ل+د
 
قديمة 27-08-2007, 04:48 PM   #5 (permalink)
.+[ متميز نـابغة ]+.

 
tab
صورة 'عاشق الأنمي' الرمزية
 
تاريخ الإنضمام: Aug 2007
الإقامة: في قلوب المحبين
العمر: 25
المشاركات: 672
معلومات إضافية
السمعة: 142
المستوى: عاشق الأنمي will become famous soon enoughعاشق الأنمي will become famous soon enough
الجنس: male
علم الدولة:
الحالة: عاشق الأنمي غير متصل
افتراضي رد: .. مسافر ذو ظروف خاصة...

مشكوره على الموضوع الجميل
 
موضوع مغلق

العلامات المرجعية


الأعضاء النشطين حاليآ الذين يشاهدون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا يمكنك اضافة مواضيع جديدة
لا يمكنك اضافة مشاركات
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] : متاحة
رمز HTML : معطّلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


مواضيع متشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى المشاركات المشاركة الأخيرة
~~حبيبتي... لن أسافر عنكِ ~~ جزء من حلم مرافئ مبعثرة 7 12-03-2007 04:23 AM
أودعكم .. يا أحلى أعضاء .. مسافر الحج باذن الله Mr.noon المنبر العام 16 16-01-2006 06:09 PM
حاسب نفسك ..! سرابيل المنبر الإسلامي 2 03-03-2005 11:25 PM
حاسب نفسك أخي الراقية المنبر الإسلامي 1 30-03-2003 08:14 AM


الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +4 . الساعة الآن : 12:42 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.6
.Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd
All Rights Reserved© 2001 - 2014, Almotmaiz.net